خاص اليوم الإخباري/ نضال أبو شربي
في ظل الحرب التي طالت الإنسان والمكان في قطاع غزة، لم تسلم دور العبادة من القصف، ولم تنجُ المصاحف من التمزق والضياع بين الأنقاض.
وبين مشاهد الدمار، برزت مبادرات فردية تحمل في طياتها روح الصمود، كان من بينها محاولة الشيخ رأفت يعقوب جامع إعادة الحياة إلى المصاحف الممزقة، مستخدمًا أدوات بسيطة وإرادة لا تنكسر.
هذه الحكاية ليست فقط عن ترميم ورق، بل عن حماية معنى، وصون قدسية، وإعادة الأمل وسط الخراب.
المشهد المحيط كفيلًا بسرد نصف الحكاية
في زاوية بسيطة تفتقر لأدنى مقومات العمل، تتناثر أوراق مصاحف ممزقة جُمعت من بين الركام، وإلى جانبها أدوات بدائية تحمل أثر الاستخدام المتكرر.
رائحة الغراء تختلط بغبار المكان، وأصوات الحياة في الخارج لا تخفي ثقل الواقع. هنا، لا يبدو العمل مجرد حرفة، بل مهمة إنسانية وروحية تُنجز بصبرٍ كبير.
وسط هذا المشهد، يجلس الشيخ رأفت بهدوء، منشغلًا بترميم صفحة تلو الأخرى، وكأنّه يعيد ترتيب ما بعثرته الحرب، ويهيئ الكلمات المقدسة لتُقرأ من جديد.
من الألم تولد المبادرة
يقول الشيخ رأفت يعقوب جامع: "في هذه الحرب، تم قصف المساجد والبيوت، وتعرضت المصاحف للتمزيق بشكل كبير. بدأنا بجمع هذه المصاحف من تحت الركام، وحاولنا إعادة تجديدها بأفضل صورة ممكنة، حتى نقدمها للناس، لأن المصاحف أصبحت نادرة، فلا توجد مكاتب ولا استيراد من الخارج."
ويضيف بأسى واضح:"كنا قبل الحرب نمتلك محلًا في سوق الشيخ رضوان، وكنا نعمل فيه على تجليد المصاحف بشكل جيد. لكن الحرب فجأة مسحت كل شيء، لم يبقَ حجر ولا مسجد، كل شيء دُمّر."
أدوات بسيطة وجهد كبير
وسط غياب الإمكانيات، يعتمد الشيخ رأفت على أدوات متواضعة: لاصق أبيض، سكين، قطع خشب، ومكبس يدوي بدائي.
يشرح قائلاً:"نحن نعمل بإمكانيات بسيطة جدًا، كل شيء يدوي، لا توجد آلات حديثة. نحاول قدر المستطاع إعادة المصحف إلى شكله المناسب للقراءة."
ورغم هذه الصعوبات، يواصل العمل بإصرار:"نحن بحاجة دائمة للقرآن، ونحاول أن نحافظ عليه ونخرجه من بين الركام ونعيد تجديده."
ويشير الى ان مكان غير مناسب وقلة الإمكانيات ورغم ذلك نعمل ونجتهد لتجديد المصاحف
و لا يواجه الشيخ رأفت نقص الأدوات فقط، بل أيضًا غياب المكان المناسب للعمل: "لا يوجد لدينا مكان نعمل فيه بشكل مناسب، نعمل بما هو متوفر، ونحاول قدر الإمكان. المكان غير مهيأ، والظروف صعبة جدًا."
كما يشير إلى نقص الأيدي العاملة:"اليد العاملة شبه معدومة، الناس منكوبة، وكل شخص لديه معاناته الخاصة، ومع ذلك هناك من يحاول مساعدتنا."
وهنا من قلب هذه المبادرة، التي تتسع الصورة لتشمل وجوهًا متعددة تشارك في هذا الجهد الصامت. فالمكان، رغم بساطته، أصبح نقطة التقاء لكل من شعر بالمسؤولية تجاه ما تبقى من المصاحف.
تتداخل الأدوار بين من يجمع الأوراق من بين الأنقاض، ومن ينظفها بعناية، وآخرين يحاولون إعادة ترتيبها صفحةً صفحة. هنا، لا يوجد تنظيم رسمي أو إمكانيات كبيرة، بل رغبة مشتركة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وفي هذا السياق، تبرز حكاية جديدة لأحد المتطوعين، تحمل تفاصيل مختلفة لكنها تنبع من ذات الدافع: الحفاظ على قدسية المصحف وسط واقع قاسٍ.
يقول أبو محمد (أحد المتطوعين):"كنت أمرّ من الشارع ورأيت المصاحف ممزقة داخل أحد المساجد المدمرة، شعرت أن الأمر لا يمكن تركه هكذا. بدأت أساعد الشيخ رأفت في جمعها وترتيبها. هذا أقل ما يمكن أن نقدمه."
اما أم أحمد (نازحة من شمال غزة) تقول:"عندما استلمت مصحفًا مُرممًا، شعرت وكأن شيئًا من حياتنا عاد. المصحف ليس كتابًا فقط، هو سكينة للروح، خاصة في هذه الظروف."
كما أضاف أحمد (شاب يصلي بالمسجد ):"العمل ليس سهلًا، فبعض المصاحف تكون ممزقة بشكل كبير، لكننا نحاول إصلاحها قدر الإمكان. نشعر أننا نقوم بشيء له قيمة كبيرة."
يوجه الشيخ رأفت نداءً إلى العالم: "نتمنى من كل من يستطيع خارج غزة أن يقف معنا في تعظيم هذا القرآن الكريم. الأعداد كبيرة جدًا، والإمكانيات شبه معدومة، ونحن بحاجة إلى دعم حقيقي سواء بالأدوات أو بالخبرات."
ويختم بقوله: "رغم كل شيء، نحاول أن نحافظ على كتاب الله، لأن الحفاظ عليه هو جزء من صمودنا."
في زمنٍ تتساقط فيه الجدران، تبقى القيم هي الحصن الأخير
مبادرة الشيخ رأفت يعقوب جامع ليست مجرد عمل يدوي لترميم المصاحف، بل هي رسالة صمود تؤكد أن الإيمان لا يُهزم، وأن النور يمكن أن يولد من بين الركام.
وبين أصوات القصف، يظل صوت الورق المُرمم شاهدًا على إرادة الحياة، وعلى تمسك الناس بما يمنحهم القوة للاستمرار.



