خاص اليوم الإخباري/ نضال أبو شربي
حين تضيق الحياة حتى تصبح خيمةً على أطراف مدينةٍ مثقلةٍ بالحرب، ويغيب الضوء إلا من شقوق القماش المهترئ، يظنّ المرء أن الفرح رفاهية مؤجلة.
لكن في غزة، حيث اعتاد الناس أن يصنعوا الحياة من تفاصيل مكسورة، يكفي طفلٌ صغير يسأل عن فانوس ليوقظ في قلب أبيه فكرةً تقاوم العتمة.
من وسط الركام، وبين نقص الخشب وندرة القماش وغلاء الكهرباء، اختار أبٌ أن يواجه الواقع لا بالشكوى، بل بصوت منشارٍ صغير يقطع الصمت، وبقطع خشب تتحول شيئًا فشيئًا إلى ضوءٍ معلّق في خيمة.
هذه ليست حكاية فانوس… بل حكاية إنسان قرر أن يمنح الظلام شكلاً يمكن تعليقه على باب الأمل.
شرارة الحلم… من سؤال طفل
في خيمةٍ متواضعة، وبين صوت الماتور القادم من الشارع وانقطاع الكهرباء المتكرر، يجلس محمد رمضان خليل زيارة منهمكًا في تركيب قطع خشبية صغيرة، يحوّل “المشاطيح” القادمة مع المساعدات إلى فوانيس رمضانية تنبض بالحياة.
لم تكن الفكرة مشروعًا تجاريًا بقدر ما كانت وعدًا لطفل.
يقول محمد: "الفكرة إجتني من ابني الصغير، عمره 3 سنوات. شاف فانوس على النت، وقالي: يابا بدي واحد زي هادا."
نزل إلى السوق، فوجد الأسعار “خيالية”، والفوانيس شبه مفقودة. حتى غير الكهربائية منها تُدرج ضمن المواد الممنوعة من الدخول إلى غزة.
عاد إلى خيمته مثقلاً بالعجز… لكنه لم يعد خالي الوفاض من الفكرة.
صناعة الأمل… من الخشب الممنوع إلى القماش النادر
قبل الحرب، كان محمد يعمل في التجارة ويمتلك محل هدايا وورود. لكن الحرب دمرت كل شيء.
بحث عن مصدر رزق يعيل أسرته، ففكر مع شقيقه وصديقه بإنشاء مصنع بسيط داخل خيمة لصناعة الكراسي والطاولات.
غير أن الطريق لم يكن سهلاً: الخشب ممنوع أو نادر. القماش غير متوفر. الكهرباء عبء ثقيل وتكلفتها مرتفعة.
يشرح محمد: "بنشتري المشاطيح اللي داخلة مع المساعدات، وبنعيد تدويرها لنعمل الهيكل الخارجي للفانوس. القماش ما كان يدخل نهائي، ولما لقيت كمية بسيطة كانت بأسعار غالية جدًا. والكهربا بشتغل على كيبل ماتور من الشارع، وسعر الكيلو غالي، والمكن بتستهلك كتير."
كل قطعة في الفانوس كانت معركة صغيرة: خشبٌ صعب، قماش نادر، كهرباء مكلفة، وأدوات محدودة… ومع ذلك استمر.
أسعار بسيطة… ليكون في كل خيمة فانوس
في سوقٍ ترتفع فيه أسعار الفوانيس الصينية بشكل “غير طبيعي”، قرر محمد أن يصنع بديلاً محليًا بسعر يناسب الناس.
الفانوس الصغير يبدأ من 20 شيكل.
الفانوس الكبير يصل إلى 200 شيكل.
بهامش ربح بسيط جدًا. الفانوس الكبير تشتريه المطاعم والكافيهات، والصغير يذهب إلى البيوت والخيام.
وكما يقول بابتسامة واضحة: "بطمح أشوف فانوس معلّق في كل خيمة، في كل شارع، في كل محل بغزة."
قبل أيام، وبينما كان يسير في أحد شوارع المدينة، لمح فانوسًا من صنع يديه معلّقًا أمام أحد المحال.
"صابني نوع من البهجة… حسّيت إن إلي بصمة في الشارع."
مهندس لم يعمل في تخصصه… لكنه هندس الفرح
محمد خريج هندسة برمجيات، لكنه لم يعمل يومًا في مجاله.
الحياة قادته إلى التجارة، ثم جاءت الحرب فاقتلعته منها.
أما شريكه، فهو رجل عمل 30 عامًا في تنجيد الكنب. جمعتهم الظروف، فصاروا “إيد وحدة”.
تعلم محمد المهنة على يد صديقه، وتكاملت خبراتهم، وصار لديهم محل صغير يسوقون فيه منتجاتهم.
فانوس ضد العتمة
رمضان في غزة لم يعد كما كان. البيوت تهدمت، الشوارع تغيرت، والأطفال كبروا على أصوات القصف بدل أناشيد الفوانيس.
لكن داخل خيمة بسيطة، يقف رجل قرر أن يصنع نورًا بيديه، ليقول لأطفاله وأطفال غزة جميعًا:
رغم الحرب… ما زال فينا نفس نعلّق فانوس.
محمد لا يصنع خشبًا مضاءً فقط، بل يعيد صياغة الذاكرة، ويزرع أملاً صغيرًا في قلب كل خيمة.
في مدينةٍ أرهقتها الحرب، قد يبدو الفانوس تفصيلاً صغيرًا لا يغيّر شيئًا في معادلة الدمار.
لكن الحقيقة أن الضوء، مهما كان بسيطًا، يفضح العتمة.
حين يعلّق طفل فانوسًا على باب خيمته، فهو لا يزيّن القماش المهترئ… بل يعلن أن الحياة ما زالت هنا.
وحين يصرّ أبٌ على صناعته رغم المنع وغلاء الخشب وانقطاع الكهرباء، فهو لا يبحث عن ربحٍ مادي، بل عن معنى يُبقيه واقفًا.
قد تُهدم البيوت، وقد تُطفأ الشوارع، لكن ما دام في غزة من يصنع نورًا بيديه، فلن تنطفئ روحها.
فالفانوس الذي يبدأ من لوح خشب بسيط، ينتهي رسالةً واضحة: نحن لا ننتظر الضوء… نحن نصنعه.
فانوسه ليس مجرد زينة رمضانية، بل رسالة صمود تقول: من تحت الركام… يمكن أن يولد الضوء.


