أصدر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية ورقة بحثية جديدة بعنوان: "من التعاطف إلى الإنهاك الجمعي: مخاطر تحوّل جثامين الشهداء غير المنتشلة في غزة إلى أرقام صامتة"، تناولت واحدة من أكثر القضايا الإنسانية حساسية وتعقيدًا في مرحلة ما بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وسلّطت الورقة الضوء على ملف جثامين الشهداء التي لا تزال تحت الأنقاض في مناطق مختلفة من القطاع نتيجة الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب، مشيرة إلى أن آلاف الضحايا ما زالوا في عداد المفقودين أو لم تُنتشل جثامينهم حتى الآن، في ظل التحديات الكبيرة التي تعيق عمليات البحث والانتشال.
وحذّرت الدراسة من أن استمرار هذا الملف دون معالجة منهجية قد يؤدي تدريجيًا إلى تحوّل الضحايا من قصص إنسانية حيّة في الوعي العام إلى "أرقام صامتة" في الإحصاءات، الأمر الذي قد يفاقم حالة الإنهاك الجمعي داخل المجتمع الفلسطيني ويعمّق الصدمة النفسية لدى عائلات الضحايا.
كما ناقشت الورقة الأبعاد السياسية والقانونية والاجتماعية لهذه القضية، مؤكدة أن الجثامين غير المنتشلة لا تمثل مأساة إنسانية فحسب، بل تُعد أيضًا أدلة محتملة على الانتهاكات التي رافقت الحرب، ما يجعل توثيقها وانتشالها مسألة بالغة الأهمية في أي مسار قانوني دولي مستقبلي يتعلق بمساءلة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة.
وأوضحت الدراسة أن حجم الدمار الهائل في قطاع غزة، إلى جانب نقص المعدات الفنية والقيود المفروضة على إدخال الآليات الثقيلة، يشكلان عائقًا كبيرًا أمام تنفيذ عمليات انتشال واسعة ومنظمة، وهو ما قد يهدد بفقدان الكثير من الأدلة المرتبطة بضحايا الحرب.
وشددت الورقة على أن معالجة هذا الملف تتطلب مقاربة وطنية متكاملة، تشمل إنشاء آلية مؤسسية موحدة لإدارة ملف المفقودين والجثامين، وتطوير أنظمة توثيق علمية تعتمد على قواعد بيانات مركزية وتقنيات تحليل الحمض النووي، إضافة إلى تعزيز التعاون الدولي في مجالات الطب الشرعي الإنساني والتوثيق الجنائي للنزاعات.
ويأتي إصدار هذه الورقة ضمن جهود المركز الفلسطيني للدراسات السياسية لتحليل تداعيات الحرب على قطاع غزة من مختلف الأبعاد السياسية والإنسانية والقانونية، والمساهمة في دعم النقاش العام حول قضايا مرحلة ما بعد الحرب وإعادة بناء المجتمع.
وأكد المركز أن قضية جثامين الشهداء غير المنتشلة تمثل أحد الملفات الإنسانية والحقوقية المؤجلة التي تتطلب اهتمامًا وطنيًا ودوليًا عاجلًا، ليس فقط للحفاظ على كرامة الضحايا، بل أيضًا لضمان عدم ضياع الأدلة المرتبطة بالانتهاكات التي وقعت خلال الحرب.