بين رغبة الفرح وقسوة الواقع ملابس العيد حلم ثقيل على عائلات غزة

بين رغبة الفرح وقسوة الواقع ملابس العيد حلم ثقيل على عائلات غزة

2026/03/18 الساعة 11:21 ص
بين رغبة الفرح وقسوة الواقع ملابس العيد حلم ثقيل على عائلات غزة

خاص اليوم الإخباري/ نضال أبو شربي
مع اقتراب عيد الفطر المبارك، تبدو أسواق قطاع غزة وكأنها تحاول أن تستعيد شيئًا من نبض الحياة، لكنها لا تزال تتحرك بخطى بطيئة تحت وطأة واقع اقتصادي قاسٍ حيث  تتجول العائلات بين المحال بعينٍ تبحث عن فرحة لأطفالها، وأخرى تحسب ما تبقى في الجيب من قدرة على الشراء.

فملابس العيد، التي كانت يومًا رمز البهجة والبداية الجديدة، أصبحت اليوم حلمًا بسيطًا تحاول كثير من الأسر تحقيقه رغم الضيق وقلة الإمكانات، تختلف عن السنوات الماضية التي تمتلئ بالحركة والازدحام، حيث يتسابق الأهالي لشراء ملابس العيد والهدايا لأطفالهم. لكن هذا العام يبدو المشهد مختلفًا تمامًا، فالحرب والدمار وإغلاق المعابر أدت إلى نقص البضائع وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، ما جعل فرحة العيد باهتة لدى كثير من العائلات التي بالكاد تستطيع توفير احتياجاتها الأساسية.

ورغم دخول بعض البضائع إلى القطاع خلال الأشهر الماضية عبر المعابر، إلا أن ما وصل منها لا يزال محدودًا ولا يلامس حجم الحاجة الحقيقية للسكان. فالتقديرات تشير إلى أن هذه الإمدادات لا تغطي سوى نحو 30% من الاحتياجات، ومعظمها يقتصر على المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية، في حين تبقى المواد الخام اللازمة للإنتاج شحيحة.

وبين رفوف الأسواق القليلة والبضائع المحدودة، يحاول الأهالي أن يصنعوا فرحة العيد بما تيسر، متمسكين بالأمل حتى في أصعب الظروف.

ولكن مع قدوم العيد، تبدو الحركة الشرائية في الأسواق ضعيفة مقارنة بالسنوات السابقة، حيث يتجول المواطنون بين المحال التجارية بحثًا عن أسعار مناسبة، لكن الكثير منهم يغادر دون شراء بسبب الغلاء أو ضعف القدرة الشرائية.

في سوق عمر المختار والذي يعرف بالساحة ، كانت أم محمد مجدي تتنقل بين المحال التجارية بخطوات مترددة، تحدق في واجهات الملابس وتحاول أن تختار ما يناسب بناتها الأربع وابنيها، بما يتلاءم مع ما تملكه من نقود محدودة.

وتقول ام محمد "بعد عامين قاسيين من الحرب، شعرنا أنه من حق أطفالنا أن نفرحهم ولو بشيء بسيط. أردنا أن نعوضهم جزءًا مما عاشوه من خوف وحرمان، فكانت ملابس العيد هي أقل ما يمكن أن نقدمه لهم. لكن للأسف اصطدمت هذه الرغبة بالواقع الصعب والأسعار المرتفعة جدًا في سوق الملابس بغزة".

وتضيف بحسرة"نعيش ظروفًا لم نمر بها من قبل. نحن نحاول أن نزرع الفرح في قلوب أطفالنا، لكننا نصطدم بأسعار عالية وبضائع ليست بنفس الجودة التي كانت موجودة قبل الحرب".

وتفيد قائلة "اضطررت لشراء طقم واحد فقط لكل بنت وولد، حتى أتمكن من تدبير احتياجاتهم قدر الإمكان. اعتمدت على ما ادخرته من زيارات أهلي ومن راتب زوجي، لكن المبلغ لم يكن كافيًا، فاضطررت لاقتراض جزء من المال حتى أستطيع إكمال شراء الملابس للبنات".

وكما وصفت حركة التسوق في السوق بأنها خجولة للغاية، موضحة أن معظم العائلات تكتفي بشراء قطعة واحدة فقط، وربما يكتفي البعض بشراء بنطال جديد مع استخدام قميص قديم، في محاولة لتخفيف الأعباء وسط الظروف الاقتصادية الصعبة.

أما المواطنة ام يزن عبدالقادر، وهي أم لثلاث أطفال، فتروي معاناتها مع تسوق ملابس العيد قائلة "عندما خرجت إلى السوق لشراء ملابس العيد لأطفالي، فوجئت بارتفاع الأسعار بشكل كبير وغير متوقع. لذلك اضطررت للتنقل بين عدة محال، على أمل أن أجد مكانًا يبيع بسعر أقل ولو بفارق بسيط".

وتضيف "لم أكن وحدي من يبحث عن السعر الأرخص، فمعظم الأمهات يقمن بجولات طويلة بين المحلات ويبدأن بالمفاصلة مع التاجر للحصول على أقل سعر ممكن، في محاولة لتوفير ما تبقى من المال لشراء حذاء جديد أو قطعة إضافية للطفل".

وتتابع حديثها قائلة "عانيت كثيرًا في اختيار الملابس المناسبة لطفليّ وفي نفس الوقت التي تتناسب مع قدرتي المالية، فكيف هو الحال مع العائلات التي لديها أربعة أو خمسة أطفال؟ بالتأكيد المعاناة لديهم أكبر".

وتوضح أن هناك العديد من العائلات الفقيرة والمهمشة التي لم تتمكن من شراء ملابس العيد لأطفالها حتى الآن، مشيرة إلى أن كثيرًا منهم يعتمدون على مبادرات الجمعيات الخيرية وكسوة العيد، وما زالوا ينتظرون حتى الأيام الأخيرة من شهر رمضان على أمل أن يتمكنوا من إدخال بعض الفرح إلى قلوب أطفالهم.

من جهتهم، يؤكد عدد من التجار أن موسم العيد، الذي كان في الأعوام السابقة يشكّل فرصة لتعويض جزء من خسائرهم السنوية، لم يحقق حتى الآن الحركة التجارية المأمولة في أسواق غزة.

ويشير التجار إلى أن حركة الشراء ما تزال ضعيفة مقارنة بالسنوات الماضية، حيث يقتصر إقبال المواطنين غالبًا على شراء الضروريات فقط، أو قطعة ملابس واحدة للأطفال، في محاولة للتخفيف من الأعباء المالية التي تعيشها العائلات.

بدوره يقول البائع محمد، صاحب أحد محال بيع الملابس، إن الإقبال على شراء ملابس العيد لا يزال محدودًا، موضحًا أن الكثير من المواطنين يكتفون بالتجول داخل الأسواق ومتابعة الأسعار دون اتخاذ قرار الشراء. ويرجع ذلك إلى حالة القلق التي يعيشها الأهالي، خاصة مع التخوف من أي تطورات أمنية قد تؤدي إلى إغلاق المعابر مرة أخرى.

ويضيف أن عددًا كبيرًا من العائلات يفضل الانتظار حتى الأيام الأخيرة من شهر رمضان لشراء ملابس العيد لأطفالهم، إلا أن هذا الانتظار لا ينجح في تعويض حالة الركود التي تعاني منها الأسواق، في ظل إعطاء معظم الأسر الأولوية لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ويتابع أن الحركة القليلة التي يشهدها السوق تعود في الغالب إلى بعض العائلات التي ما تزال ظروفها المادية أفضل نسبيًا، إضافة إلى الشباب المقبلين على الزواج الذين يحرصون على شراء احتياجاتهم رغم الظروف الصعبة.

 الحرب وما خلفته من بطالة وفقر أثرت بشكل كبير على قدرة المواطنين على التسوق، وهو ما جعل الأسواق أقل ازدحامًا من المعتاد في مثل هذه الأيام.
رغم الظروف الصعبة، لا تزال بعض المحلات التجارية وأصحاب البسطات سواء الملابس او الحلويات تعرض بضائع محدودة من ملابس الأطفال والنساء والرجال، إلا أن التجار يؤكدون أن الكميات أقل من المعتاد بسبب صعوبة إدخال البضائع إلى القطاع.

ويرجع ذلك إلى إغلاق المعابر أو تقليص عدد الشاحنات التي تدخل إلى غزة، ما أدى إلى نقص في العديد من السلع وارتفاع أسعارها.

يشكو المواطنون من ارتفاع كبير في الأسعار، سواء في الملابس أو المواد الأساسية. فشح البضائع في الأسواق أدى إلى زيادة واضحة في الأسعار مقارنة بالفترات السابقة.

كما أن تقليص عدد الشاحنات التي تدخل إلى القطاع إلى نسبة قليلة من الاحتياج الفعلي ساهم في تفاقم الأزمة وارتفاع الأسعار داخل الأسواق.
إغلاق المعابر أمام دخول البضائع كان أحد أبرز الأسباب التي أثرت على الأسواق في غزة، حيث أدى إلى نقص السلع وارتفاع الأسعار بشكل كبير.

كما أن هذا الإغلاق أثار حالة من القلق لدى المواطنين، الذين أصبحوا يشترون ما يستطيعون الحصول عليه خوفًا من نفاد البضائع أو ارتفاع أسعارها أكثر في الأيام القادمة.

ومن جهة أخرى قال وسيم صاحب بسطة شالات بالجندي المجهول عن ازمته مع اطفاله “كنت كل سنة اشتري ملابس العيد للأطفال، لكن هذا العام الأسعار مرتفعة جدًا، لذلك نحاول شراء الضروريات فقط رغم اني ابيع بالسوق ولكن قلة البضائع وارتفاع الأسعار تجبرنا على البيع بهيك اسعار”.

وأكدت المواطنة ام سليمان سعيد بان “الأسواق موجودة والملابس موجودة، لكن الأسعار فوق قدرة الناس، وكثير من العائلات خرجت من الحرب بلا بيت ولا مصدر دخل.”

ويؤكد بعض المواطنين إنهم اضطروا إلى التخلي عن شراء ملابس العيد والتركيز فقط على توفير الغذاء والاحتياجات الضرورية لأسرهم، خاصة مع استمرار ارتفاع الأسعار ونقص السلع.

بين محال الملابس المفتوحة وأعين الأطفال التي تبحث عن فرحة العيد، تبقى أسواق غزة شاهدة على واقع صعب يعيشه السكان بعد الحرب.

ورغم محاولات الأهالي الحفاظ على طقوس العيد، إلا أن ارتفاع الأسعار ونقص البضائع جعل الاستعدادات هذا العام محدودة، لتبقى أمنية الكثير من العائلات أن يأتي العيد القادم وقد عادت الحياة الطبيعية إلى شوارع غزة وأسواقها.