اليوم الإخباري/ نضال أبو شربي
في مشهدٍ يلخّص قسوة الحياة داخل خيام النزوح في قطاع غزة، لم تعد معاناة العائلات تقتصر على الجوع والبرد وفقدان المأوى، بل امتدت لتشمل تهديدًا جديدًا وخطيرًا يتسلل في ظلام الليل: الجرذان، التي باتت تشكّل خطرًا حقيقيًا على حياة الأطفال الرضّع.
قصة آدم صرخة في الظلام خلال الأسبوع الماضي، برزت قصة الطفل الرضيع آدم الأستاذ، الذي لم يتجاوز شهره الأول، بعد أن تعرّض لنهشٍ من جرذ داخل خيمته، في حادثة صادمة هزّت مشاعر كل من سمع بها.
تروي والدته تفاصيل تلك الليلة قائلة "استيقظت على صراخه في ظلام الخيمة، لم أفهم ما يحدث في البداية. وحين أضأت كشاف الهاتف، صُدمت حين رأيت وجهه مغطى بالدماء."
وتتابع بصوتٍ يختلط فيه الخوف بالصدمة "أيقظت والده فورًا، وبدأنا نبحث داخل الخيمة، لنجد جرذًا كبيرًا مختبئًا تحت الطاولة. عندها أدركنا أنه تعرّض لعضّة."
نُقل الطفل على الفور إلى المستشفى، حيث لا يزال يتلقى العلاج بعد إصابته بتسمم كاد أن يودي بحياته، في حادثة تكشف حجم الخطر الذي يحيط بالأطفال داخل هذه الخيام الهشة.
ولا تبدو هذه الحادثة استثناءً، بل تعكس واقعًا متكررًا تعيشه مئات العائلات في مخيمات النزوح غرب مدينة غزة.
في مشهد يتكرر يوميًا داخل خيام النزوح في قطاع غزة، لم تعد معاناة السكان تقتصر على آثار الحرب المباشرة، بل امتدت لتشمل تهديدًا صامتًا وخطيرًا يتمثل في انتشار القوارض والحشرات. هذا الخطر الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، بات يشكّل كابوسًا حقيقيًا يهدد الصحة والأمان، خاصة في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
يقول المواطن محمد فوزي “انتشار الجرذان و القوارض والحشرات في قطاع غزة أصبح خطرًا يوميًا مرعبًا، وكابوسًا يلاحقنا داخل الخيام. فهي تتسلل إلى أماكن تخزين الطعام والفراش، بل وتختبئ داخل الحقائب وأكياس الملابس، فتقضمها وتتلفها. لا توجد أي وسيلة فعالة للتخلص منها.”
وعلى امتداد الخيام ومناطق النزوح، تتزايد المخاوف مع تصاعد الحديث عن هذا الخطر، حتى بات الجرذ في نظر كثيرين “عدوًا جديدًا” يوازي في رعبه أصوات القصف والانفجارات.
يضيف المواطن محمود عدنان، الذي يعيش في خيمة بشارع عمر المختار“أصبحت القوارض والحشرات معركة ليلية نخوضها يوميًا لحماية أطفالنا ونسائنا، وكذلك للحفاظ على الطعام. بعض العائلات تضطر لتقسيم الليل للسهر، حتى لا تقترب هذه القوارض منا أو من أطفالنا أثناء النوم.”
بين سطور هذه الكلمات، تتكشف صورة مرهقة لحياة تُدار بالخوف والقلق، حيث لم يعد الليل وقتًا للراحة، بل زمنًا للحراسة والترقب ، ولا تتوقف المعاناة عند القوارض، بل تمتد إلى الحشرات التي تزيد من وطأة الحياة اليومية.
كما يضيف عدنان “الحشرات مثل البعوض والذباب والبراغيث تلسعنا بشكل مستمر، وتسبب التهابات وتقرحات في الجلد، وقد تستمر آثارها لفترات طويلة، خاصة مع ضعف الإمكانيات العلاجية.”
تعكس هذه الشهادة واقعًا متفاقمًا، حيث تحوّلت القوارض من مجرد مصدر إزعاج إلى تهديد مباشر لحياة السكان، في ظل غياب حلول جذرية أو تدخلات فعّالة للحد من انتشارها.
وفي ذات السياق ، يشير المواطن نافذ سليمان إلى الأبعاد الصحية الخطيرة لهذه الظاهرة، قائلًا:
“نحن نعيش في بيئة موبوءة بالقوارض والحشرات، التي تلوث الطعام والماء بفضلاتها، ما يسبب أمراضًا بكتيرية وجلدية، خاصة للأطفال الذين يلعبون قرب تجمعات المياه بين الخيام.”
هذا الواقع الصحي المقلق يرتبط بشكل مباشر بظروف بيئية متدهورة، حيث تتكاثر مسببات الخطر في كل زاوية.
وكما يشير سليمان “تراكم النفايات والركام، وغياب الصرف الصحي، والاكتظاظ داخل المخيمات، كلها أسباب رئيسية لانتشار هذه القوارض. ومع أن الجو لا يزال باردًا، إلا أن الوضع خطير فكيف سيكون الحال مع قدوم الصيف؟”
أمام هذا الانتشار الواسع، يحاول السكان ابتكار وسائل بدائية للحماية، لكنها غالبًا ما تكون محدودة التأثير.
ويؤكد سليمان “نستخدم مصائد ولاصقًا، وأحيانًا نشعل النار لإخراج دخان يبعد الحشرات، أو نضع أكياس ماء داخل الخيام، لكن كل هذه الطرق لا تقضي على المشكلة، بل تخففها بشكل بسيط فقط.”
وفي ظل هذا الواقع، تتعالى الأصوات المطالبة بالتدخل ، حيث طالب المواطن محمد نعيم:
الجهات المختصة بتوفير مبيدات ووسائل فعالة لمكافحة القوارض والحشرات، والعمل على إزالة الركام والنفايات القريبة من الخيام، لأنها البيئة الأساسية لتكاثرها.”
ويفيد نعيم “نحن لم نعد نشعر بكرامتنا الإنسانية، هذه الأوضاع تسرق منا أبسط حقوقنا في العيش ببيئة نظيفة وآمنة.”
لا تقتصر المعاناة على الأرقام والشهادات العامة، بل تمتد إلى قصص مؤلمة تعيشها العائلات يوميًا ، فتقول إحدى الأمهات “نخاف من الليل أكثر من أي وقت ليس فقط بسبب القصف، بل من شيء أصغر لكنه لا يقل رعبًا.”
وفي حادثة مؤلمة، تروي رواية حلاوة ما حدث مع طفلها كريم “استيقظت على صراخه، فوجدت جرذًا كبيرًا ينهش خده. هذا المشهد لم يكن جديدًا، لكننا هذه المرة لم نستطع حمايته.”
وأوضحت “بانها تعرض طفلها لمحاولات عض من قبل، وكنا ننجح في إنقاذه، لكن الجرذان أصبحت أكثر جرأة بسبب البيئة المحيطة وتراكم النفايات.”
أما ام ماسة وهي، أم لثلاثة أطفال، فتعيش في حالة قلق دائم، حيث تقول “لم أعد أنام ليلًا، أبقى مستيقظة أراقب أطفالي. الخوف لا يتركني، وأعيش كابوسًا مستمرًا.”
وتتابع ، جربت كل شيء، المصائد والسموم، وأغلقت الفتحات، لكن الجرذان ما زالت تدخل الخيمة. بعد ما حدث مع الطفل كريم، لم يعد هناك أي شعور بالأمان.”
في غزة، حيث تتزاحم الأزمات فوق صدور الناس، لم تعد الحرب وحدها العدو. فالقوارض والحشرات أصبحت خطرًا يوميًا يهدد حياة النازحين، ويكشف عمق المأساة البيئية والإنسانية التي يعيشونها.
وبين خيمة وأخرى، تتشابه الحكايات وتختلف التفاصيل، لكن الخوف واحد… خوفٌ يتسلل بصمت في الليل، وينهش ما تبقى من شعور بالأمان.
وفي ظل غياب حلول جذرية، يبقى السؤال معلقًا: إلى متى سيبقى هذا الخطر الصامت يحاصر حياة الأبرياء دون رادع؟