خاص اليوم الإخباري
رغم توقيع اتفاق الهدنة في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم يشعر سكان قطاع غزة بأن الحرب قد انتهت بالفعل. فالاتفاق الذي عوّل عليه كثيرون لوقف نزيف الدم وفتح صفحة جديدة، لم ينعكس على الواقع الميداني كما كان يأمل المدنيون، إذ استمرت العمليات العسكرية في مناطق مختلفة، وتواصلت التوغلات، والاستهدافات، والاغتيالات، إلى جانب إصدار أوامر الإخلاء المتكررة عبر "المربعات الصفراء"، التي تدفع آلاف العائلات إلى النزوح من مكان إلى آخر، في مشهد يؤكد أن آثار الحرب ما زالت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.
وبحسب إحصائية وزارة الصحة في قطاع غزة، فإن الخسائر البشرية تواصلت رغم اتفاق وقف إطلاق النار، إذ سُجل منذ بدء الهدنة في 11 أكتوبر/تشرين الأول سقوط 1,144 شهيدًا و3,703 إصابات، إضافة إلى انتشال 802 حالة وفاة من تحت الأنقاض. كما تشير الإحصائية التراكمية منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى ارتفاع عدد الشهداء إلى 73,269 شهيدًا، فيما بلغ عدد المصابين 173,811 إصابة، في حصيلة تعكس حجم الخسائر البشرية الكبيرة التي خلفتها الحرب على القطاع.
وبينما تتجه الأنظار إلى التطورات السياسية، يواجه سكان القطاع معركة أخرى لا تقل قسوة، وهي معركة البقاء. فآلاف العائلات التي فقدت منازلها لا تزال تعيش في خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، ومع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف تتحول تلك الخيام إلى أماكن خانقة، لا تقي حر الشمس ولا توفر بيئة آمنة للأطفال وكبار السن والمرضى، حيث يقضي السكان ساعات طويلة في ظل نقص المياه الصالحة للشرب، والانقطاع المستمر للكهرباء، وشح الخدمات الصحية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتشار الأمراض نتيجة الاكتظاظ وضعف الإمكانات.
ولم تعد المعاناة تقتصر على فقدان المأوى، بل امتدت إلى انعدام فرص العمل، وارتفاع معدلات الفقر، وصعوبة الحصول على الغذاء والدواء، لتصبح الحياة اليومية تحديًا مستمرًا من أجل البقاء. ومع كل أمر إخلاء جديد، تجد العائلات نفسها مضطرة إلى تفكيك خيامها والبحث عن مكان آخر، دون أي ضمانات بأن يكون أكثر أمنًا أو أفضل ظروفًا.
وفي خضم هذه التطورات، جاء إعلان حركة حماس حل حكومتها في قطاع غزة كخطوة سياسية تفتح الباب أمام ترتيبات جديدة لإدارة القطاع. إلا أن مستقبل هذه المرحلة لا يزال يواجه تحديات كبيرة، في ظل استمرار الحرب، وعدم تمكن اللجنة المكلفة بإدارة شؤون قطاع غزة من مباشرة عملها بصورة فعلية. ويرى مراقبون أن أي ترتيبات إدارية جديدة ستظل محدودة الأثر ما دامت القيود المفروضة على القطاع واستمرار العمليات العسكرية تعيق أداء المؤسسات، وتحول دون إدارة فاعلة تلبي احتياجات السكان وتخفف من معاناتهم.
لكن، وبغض النظر عن التغييرات السياسية، فإن الواقع الإنساني يبقى العنوان الأبرز. فما دام القصف، والتوغلات، وأوامر الإخلاء، والاستهدافات مستمرة، فإن الحديث عن نهاية الحرب يبقى بعيدًا عن واقع يعيشه أكثر من مليوني إنسان، لا يزالون ينتظرون أن تتحول الهدنة إلى سلام حقيقي يوقف معاناتهم ويفتح أمامهم بابًا للحياة من جديد.