خاص اليوم الإخباري
بعد أيام من الهدوء النسبي، عادت إسرائيل إلى تنفيذ عمليات اغتيال في قطاع غزة، في تطور يثير مخاوف من انتكاسة جديدة، بالتزامن مع استمرار الحديث عن ترتيبات المرحلة المقبلة ووقف الحرب.
وكانت إسرائيل قد فرضت، في الرابع من أغسطس، قيودًا على تنفيذ عمليات الاغتيال داخل القطاع، فيما تحدثت تقارير عن استعداد الجيش لوقف الهجمات والاغتيالات لمدة 14 يومًا، في حال توقيع اتفاق وصدور التعليمات السياسية. لكن هذا الهدوء لم يستمر طويلًا، إذ عادت الاغتيالات في الثالث عشر من أغسطس، ما أدى، وفق المعطيات الواردة في التقرير، إلى استشهاد ثلاثة فلسطينيين وإصابة آخرين في مناطق متفرقة من القطاع.
اغتيالات تعيد القلق إلى الواجهة
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه المفاوضات تبحث ترتيبات المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح حركة حماس، ونشر قوة دولية، إلى جانب ملفات إعادة الإعمار وتثبيت وقف إطلاق النار. إلا أن عودة العمليات العسكرية تضع هذه المسارات أمام اختبار جديد، وتطرح تساؤلات حول مدى قدرة الأطراف على الانتقال من التفاهمات السياسية إلى خطوات ميدانية مستقرة.
وفي خان يونس، لم يكن الحديث عن التهدئة حاضرًا في الميدان؛ إذ شهدت مناطق وسط المدينة قصفًا مدفعيًا وإطلاق قنابل دخانية، ما أثار حالة من الهلع ودفع عائلات إلى النزوح، رغم وجودها بعيدًا عن الخط الأصفر.
وقال أحد المواطنين من خان يونس، في حديث خاص لـ"اليوم الإخباري"، إن القصف اشتد في وسط المدينة، وإن حالة الخوف دفعت عائلات إلى مغادرة أماكن وجودها، مضيفًا أن السكان باتوا يشعرون بأنهم لا يملكون مكانًا آمنًا يلجؤون إليه.
بين الهدوء المعلن والخوف على الأرض
ولا تبدو صورة التهدئة، وفق ما يعيشه السكان، متطابقة مع الواقع الميداني؛ فبينما تتواصل الأحاديث عن وقف الحرب وترتيبات المرحلة المقبلة، تبقى أصوات القصف والاغتيالات حاضرة، لتعيد إلى الواجهة مخاوف الغزيين من انزلاق القطاع مجددًا إلى التصعيد.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي إياد جودة، في حديث خاص لـ"اليوم الإخباري"، إن ما سُمّي بهدنة الأيام الـ14 لم يكن هدنة مكتملة بالمعنى الحقيقي، معتبرًا أنها أتاحت لإسرائيل إظهار التزامها أمام الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي، مع إبقاء إمكانية العودة إلى التصعيد قائمة.
وأوضح جودة أن جوهر التفاهمات يتجاوز الهدنة المؤقتة، ليشمل انتقال المسؤوليات وتمكين لجنة التكنوقراط من إدارة قطاع غزة، وصولًا إلى توحيد المؤسسات الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، بما يفضي إلى توحيد الجغرافيا السياسية الفلسطينية. وحذّر من أن انتهاء الأيام الـ14 قد يُستخدم ذريعة للعودة إلى العمليات العسكرية والاغتيالات، خصوصًا في ظل عدم تنفيذ الترتيبات السياسية والميدانية بصورة فعلية.
كما أكد أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقال الفلسطينيين من مربع رد الفعل إلى مربع المبادرة، محذرًا من أن استمرار فرض الوقائع الجديدة على الأرض قد يجعل الانقسام الجغرافي والسياسي أمرًا دائمًا.
ما بعد الأيام الـ14.. اختبار للتهدئة
وبشأن ما بعد انتهاء الأيام الـ14، رأى جودة أن المؤشرات الحالية لا تضمن عودة الهدوء، وأن احتمال استئناف الاغتيالات والتصعيد يبقى قائمًا إذا لم تُنفذ الترتيبات السياسية والميدانية المتفق عليها.
وبينما تتحدث الأطراف عن حلول سياسية وترتيبات للمرحلة المقبلة، يعيش سكان غزة واقعًا مختلفًا، عنوانه القصف والنزوح والخوف من تجدد الحرب. وبعد سنوات من الاستنزاف، لم يعد السؤال بالنسبة إلى السكان مرتبطًا فقط بما ستؤول إليه المفاوضات، بل بقدرتهم على الوصول إلى أمان حقيقي ومستدام.
فهل تمثل عودة الاغتيالات والقصف انتكاسة مؤقتة يمكن احتواؤها، أم أنها مؤشر على عودة غزة تدريجيًا إلى مربع التصعيد؟
السؤال الذي ينتظر الغزيون إجابته ليس فقط: ماذا سيحدث لخطة السلام؟ بل: متى يتحول الحديث عن التهدئة إلى واقع يشعر به الناس على الأرض؟