خاص اليوم الإخباري
في السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول من كل عام، يعود اليوم العالمي للتضامن مع الصحفي الفلسطيني محمّلًا هذا العام بوقائع تتجاوز المناسبة الرمزية، بعدما أصبحت الصحافة الفلسطينية نفسها في قلب المشهد الميداني، بين صحفيين فقدوا حياتهم أثناء أداء واجبهم، وآخرين يقبعون خلف القضبان، فيما لا يزال مصير صحفيين من قطاع غزة مجهولًا، وسط استمرار القيود على العمل الإعلامي وصعوبة الوصول إلى المعلومات ومواقع الأحداث.
وبحسب أحدث تقرير لنقابة الصحفيين الفلسطينيين، بلغ عدد الصحفيين والعاملين في قطاع الإعلام الذين استشهدوا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 262 شهيدًا وشهيدة حتى منتصف عام 2026، فيما وثقت النقابة آلاف الانتهاكات بحق العاملين في الإعلام خلال الفترة ذاتها. وتشمل الانتهاكات الاعتقال والإصابة والمنع من التغطية واستهداف المؤسسات والمنازل والمعدات، في وقت تختلف فيه الأرقام بين المؤسسات تبعًا لمعايير التوثيق والفئات التي تشملها كل قائمة.
صحفيون رحلوا.. وقائمة الشهداء تتسع
ومنذ الأيام الأولى للحرب، بدأت قائمة شهداء الصحافة الفلسطينية بالاتساع؛ إذ فقدت الصحافة أولى ضحاياها خلال السابع من أكتوبر/تشرين الأول، قبل أن تتوالى الخسائر خلال الأيام التالية، ومن أبرزها استشهاد سعيد الطويل ومحمد صبح وهشام النواجحة في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم واصلت القائمة الارتفاع مع امتداد العمليات العسكرية واتساع رقعة القصف في مختلف مناطق القطاع. ولم تكن تلك الخسائر محصورة بالصحفيين الموجودين في مواقع المواجهات، بل شملت عاملين في مؤسسات إعلامية قضوا داخل منازلهم أو برفقة عائلاتهم أو أثناء توجههم لتغطية الأحداث.
وخلال عامي 2024 و2025، استمرت قائمة الشهداء في الاتساع، لتشمل صحفيين ومصورين ومراسلين وعاملين في المؤسسات الإعلامية، بينهم من قتلوا أثناء أداء مهامهم الميدانية، ومن استُهدفوا في منازلهم أو في أماكن تجمع الصحفيين. وفي أغسطس/آب 2025، برزت مجددًا الخسائر الكبيرة بعد مقتل عدد من الصحفيين في استهداف خيمة للصحفيين قرب مجمع الشفاء بمدينة غزة، فيما شهدت مناطق أخرى من القطاع خلال العام ذاته سقوط صحفيين أثناء تغطية التطورات الميدانية.
ولم تتوقف الخسائر مع دخول عام 2026، إذ واصلت القائمة تسجيل صحفيين وعاملين في الإعلام، وصولًا إلى أحدث الأسماء التي وثقتها الجهات الفلسطينية. كما شملت الحالات الموثقة صحفيين توفوا بعد اعتقالهم، في تطور أضاف إلى سجل الخسائر بعدًا آخر، بحيث لم تعد المخاطر التي تواجه الصحفي الفلسطيني مرتبطة بالميدان وحده، وإنما امتدت إلى الاحتجاز وما يرافقه من تداعيات.
وتعكس هذه الحصيلة، وفق نقابة الصحفيين، حجم الخسائر البشرية التي لحقت بالقطاع الإعلامي الفلسطيني خلال الحرب، إلى جانب آلاف الوقائع الأخرى التي طالت الصحفيين ومؤسساتهم ومعداتهم. وفي المقابل، تؤكد منظمات دولية معنية بحرية الصحافة أن أعداد الصحفيين الفلسطينيين الذين قتلوا خلال الحرب تختلف وفق منهجية كل جهة، مع توثيق حالات استهداف مرتبطة بالعمل الصحفي بشكل منفصل عن إجمالي عدد الصحفيين والعاملين في الإعلام الذين قتلوا.
ولا تقتصر صورة الصحفي الفلسطيني في الحرب على من فقدوا حياتهم، إذ يوجد صحفيون خلف القضبان منذ فترات متفاوتة، بينهم صحفيون من قطاع غزة اعتُقلوا خلال العمليات العسكرية، وبعضهم بقي لسنوات دون معلومات كافية لعائلاتهم حول أوضاعهم القانونية. ومن أبرز الحالات محمد عرب، مراسل التلفزيون العربي من غزة، الذي اعتُقل في مارس/آذار 2024 أثناء وجوده في مجمع الشفاء الطبي، وبقي رهن الاحتجاز لأكثر من عامين، فيما تواصلت الإجراءات المتعلقة بقضيته خلال عام 2026.
نضال وهيثم.. ثلاثة أعوام من الانتظار
وفي مقدمة ملفات الصحفيين مجهولي المصير يقف اسما نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد، اللذان انقطعت أخبارهـما في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعدما توجها إلى المنطقة الشمالية من قطاع غزة لتغطية الأحداث. وكان الوحيدي يعمل مراسلًا في غزة، فيما كان عبد الواحد مصورًا صحفيًا لدى وكالة "عين ميديا"، وتؤكد تقارير منظمة مراسلون بلا حدود أن آخر تحركاتهما المعروفة كانت أثناء توجههما لتغطية التطورات قرب الحدود الشمالية للقطاع.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوفر معلومات حاسمة تحدد مصير الصحفيين، إذ قالت السلطات الإسرائيلية إنها لا تحتجزهما، بينما وثقت منظمة العفو الدولية حالتهما باعتبارها اختفاءً قسريًا، وطالبت بالكشف عن مكان وجودهما والأساس القانوني لأي احتجاز محتمل. وفي المقابل، واصلت مراسلون بلا حدود تتبع آخر المؤشرات المتعلقة بهما، دون التوصل إلى إجابة نهائية حول ما إذا كانا قد قتلا أثناء تغطيتهما للأحداث أو تعرضا للاعتقال.
ومع مرور نحو ثلاثة أعوام، تحولت قضية الوحيدي وعبد الواحد إلى واحدة من أطول قضايا الصحفيين الفلسطينيين المفقودين منذ بداية الحرب. وبينما لا تزال عائلتاهما تنتظران معلومات حاسمة، تستمر المطالبات الصحفية والحقوقية بالكشف عن مصيرهما، إلى جانب الدعوات للإفصاح عن أماكن وجود الصحفيين المحتجزين وضمان حصولهم على حقوقهم القانونية.
وفي موازاة ملف المفقودين، تتواصل حالات اعتقال صحفيين فلسطينيين من غزة والضفة الغربية، فيما تشير نقابة الصحفيين إلى استمرار الاحتجاز والمنع من التغطية باعتبارهما من أبرز الانتهاكات التي تعرض لها العاملون في الإعلام منذ بداية الحرب. وتقول النقابة إن هذه الإجراءات لا تؤثر فقط في الصحفي نفسه، وإنما تحد أيضًا من قدرة المؤسسات الإعلامية على الوصول إلى مواقع الأحداث وتوثيقها ونقل المعلومات للجمهور.
ويعود إحياء اليوم العالمي للتضامن مع الصحفي الفلسطيني إلى 26 سبتمبر/أيلول، ليشكل مناسبة سنوية لتسليط الضوء على أوضاع الصحفيين الفلسطينيين وما يتعرضون له من مخاطر وقيود أثناء أداء عملهم. وبعد عقود على إحياء المناسبة، يأتي هذا العام في ظل واقع إعلامي أكثر تعقيدًا، لا تتعلق فيه القضية فقط بحق الصحفي في نقل الخبر، وإنما بقدرته على الوصول إلى موقع الحدث، والحصول على المعلومات، والعمل في بيئة آمنة، والعودة إلى عائلته بعد انتهاء يومه المهني.
وفي يوم التضامن مع الصحفي الفلسطيني، تختصر حصيلة الشهداء والمعتقلين والمفقودين جانبًا من الثمن الذي دفعه العاملون في الإعلام خلال الحرب؛ فمنذ الأيام الأولى التي سقط فيها الصحفيون تباعًا، وصولًا إلى أحدث الحالات التي وثقتها الجهات الفلسطينية، لم تتوقف الخسائر عن إعادة تشكيل المشهد الإعلامي في غزة.
وبين الصحفي الذي رحل، وآخر يقبع خلف القضبان، وآخر لا تزال عائلته تنتظر معرفة مصيره، تبقى حماية الصحفيين وضمان حرية عملهم والوصول إلى المعلومات ومتابعة الانتهاكات عبر الآليات القانونية الدولية ملفات حاضرة في مناسبة يفترض أن تذكّر بحق الصحفي في أداء مهمته بأمان.
