خاص اليوم الإخباري/ نضال أبو شربي
بيدٍ واحدة، يقف محمود صبيح خلف عربة الفلافل في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، لا يستسلم لفقدان يده ولا لظروف الحرب التي أثقلت كاهل أهالي القطاع. يقلب أقراص الفلافل، ويجهّز طلبات زبائنه، ويواصل العمل بما تبقى لديه من قدرة، سعيًا لتأمين لقمة العيش لعائلته.
في مكان أنهكته الحرب والنزوح والفقد، اختار محمود أن يكون العمل طريقه للصمود؛ فبين دخان الزيت ورائحة الفلافل، يكتب كل يوم قصة جديدة عن إنسان يتمسك بالحياة رغم ما فقده.
في منطقة الفلوجة القريبة من الخط الأصفر شمالي قطاع غزة، لا تبدو العودة إلى العمل مهمة سهلة لمن فقد إحدى يديه وعينه خلال الحرب، وخسر معظم أفراد عائلته تحت القصف. لكن محمود، الذي أثقلت الحرب كاهله بالجراح والفقد، قرر ألا يستسلم لواقعه القاسي، فعاد إلى محل والده الذي يمتد عمره لنحو خمسين عامًا، ليعيد فتح أبوابه بيد واحدة، ويبدأ من جديد رحلة شاقة لاستعادة مصدر رزقه وإعالة أسرته.
يستعيد محمود تفاصيل يوم استهداف منزله في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، حين حوّل القصف الإسرائيلي حياته إلى مأساة، بعدما استشهد معظم أفراد عائلته، وأصيب إصابات بالغة أدت إلى بتر إحدى يديه وفقدان إحدى عينيه.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد تفاصيل حياته اليومية كما كانت؛ فالأعمال البسيطة التي كان يؤديها دون تفكير، أصبحت تحتاج إلى جهد مضاعف ووقت أطول، فيما بات عليه أن يتعلم كيف يتعامل مع الحياة بجسد أثقلته الإصابة.
وقال محمود إن بتر يده لم يكن مجرد إصابة جسدية، بل تحول إلى عقبة تواجهه في تفاصيل حياته، بدءًا من ارتداء ملابسه، مرورًا بحمل الأغراض ونقل المياه، وصولًا إلى الحركة والتوازن أثناء المشي وإنجاز احتياجاته اليومية. ومع فقدانه إحدى عينيه، ازدادت صعوبة العمل، لا سيما في مهنته التي تتطلب الطحن والقلي والتعامل مع أدوات ساخنة.
من بين الركام.. بيدٍ واحدة يعيد بناء حياته
لم يكن المحل الذي أعاد محمود فتحه مجرد مكان للعمل، بل حكاية عائلية تمتد لنحو نصف قرن، ارتبطت بوالده وذكريات سنوات طويلة من الكد والتعب. لكن الحرب لم تترك المكان بمنأى عن الدمار، إذ تعرض للقصف والتدمير، وأُغلق لفترة طويلة، ليجد محمود نفسه أمام خسارة جديدة تضاف إلى فقدان أفراد عائلته وإصاباته الجسدية.
ورغم قسوة المشهد، لم يتقبل محمود أن تنتهي حكاية المحل عند الدمار؛ فاستعان بأصدقائه وأحبائه، وبدأوا معًا تنظيف المكان وإزالة آثار الخراب، قبل أن يعيدوا ترتيبه وتجهيزه بما استطاعوا توفيره من إمكانات محدودة، ليعود إلى العمل من جديد.
وأضاف محمود أن الحياة قبل الحرب كانت مختلفة تمامًا؛ فقد كان المحل يعمل بصورة أفضل، وكان لديه عمال يساعدونه في إنجاز المهام، وكانت أوضاعه المعيشية أكثر استقرارًا. أما اليوم، فقد عاد إلى نقطة البداية تقريبًا، محاولًا بناء مصدر رزقه من جديد، وسط تراجع الحركة التجارية والظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة.
ويقول إن المحل، الذي كان يومًا مصدر رزق لعائلته، أصبح اليوم مسؤولية يتحملها وحده تقريبًا، رغم إعاقته الجسدية وما تفرضه عليه من قيود. لكنه يرى أن إعادة فتحه خطوة ضرورية لاستعادة حياته، والحفاظ على إرث والده، وعدم الاستسلام للخسائر التي فرضتها الحرب.
بين حرارة الزيت ووجع الإصابة.. معركة يومية
داخل المحل، تبدأ معركة محمود اليومية مع تفاصيل العمل. فعملية الطحن، التي قد تبدو بسيطة للآخرين، تستغرق منه وقتًا أطول، إذ يضطر إلى إنجازها بيد واحدة، فيما تتطلب منه أعمال القلي حذرًا إضافيًا بسبب إصابة عينه وتأثرها بحرارة الصاج.
وأشار إلى أن الطبيب نصحه بالابتعاد عن الصاج ومصادر الحرارة، بعدما لاحظ تأثر عينه واحمرارها عند الاقتراب منها، لكن ظروفه المعيشية الصعبة تجعله مضطرًا إلى مواصلة العمل، في محاولة لتأمين احتياجات أسرته، في ظل غياب مصدر دخل ثابت أو جهة توفر له المساعدة التي يحتاج إليها.
ويشير محمود إلى أن ساعات العمل التي كان يستطيع إنجازها بسهولة قبل إصابته، أصبحت اليوم أكثر مشقة، وأن المهام التي كانت تتطلب دقائق قد تستغرق وقتًا أطول بكثير. وحتى حمل الأغراض والتنقل داخل المحل يحتاجان إلى تركيز وتوازن، خوفًا من السقوط أو التعرض لإصابة جديدة.
ولا تقتصر معاناته على ساعات العمل؛ فحين يعود إلى منزله، يواجه تحديات أخرى في ارتداء ملابسه، ونقل المياه، والاستحمام، وإنجاز أبسط احتياجاته الشخصية. وما يبدو أمرًا عاديًا بالنسبة إلى الآخرين، يتحول بالنسبة إليه إلى مهمة شاقة تتطلب الصبر والجهد، خصوصًا في ظل غياب من يساعده بصورة مستمرة.
ومع ذلك، يرفض محمود أن تكون إعاقته سببًا للتوقف عن العمل، مؤكدًا أن الظروف القاسية دفعته إلى الاعتماد على نفسه، ومحاولة التكيف مع واقعه الجديد، حتى لو اضطر إلى بذل أضعاف الجهد الذي كان يبذله قبل الحرب.
خسارات الحرب لا توقف حلمه
لم يفقد محمود يده وعينه فحسب، بل فقد معظم أفراد عائلته، وتعرض منزله ومصدر رزقه لآثار الحرب، ليجد نفسه أمام واقع جديد مليء بالفقد والمسؤوليات والصعوبات. وبين الألم الجسدي والوجع النفسي، يحاول أن يصنع لنفسه ولأسرته مساحة صغيرة من الأمل، مستندًا إلى إرادته ومساندة أصدقائه والمحيطين به.
وأكد أن العودة إلى العمل لم تكن خيارًا سهلًا، بل جاءت نتيجة الضرورة؛ فالحياة لا تنتظر، والاحتياجات اليومية لا تتوقف، فيما لا يجد من يعينه بصورة كافية على مواجهة أعباء المعيشة ومتطلبات إعاقته.
ويقول إن صعوبة الظروف دفعته إلى تجاوز مخاوفه ومواجهة المهام التي أصبحت أكثر تعقيدًا بعد الإصابة. فبدلًا من انتظار من يقوم بالأعمال نيابة عنه، يحاول إنجازها بنفسه، ويتعلم طرقًا جديدة للتعامل مع الأدوات وتحريك الأشياء وإدارة المحل بيد واحدة.
ولا يتوقف طموح محمود عند إعادة فتح المحل، بل يتطلع إلى تطويره وتوسيعه، وتحسين أوضاعه المعيشية، حتى يتمكن من توفير احتياجات أسرته والوقوف على قدميه من جديد، رغم كل ما فقده.
في منطقة الفلوجة بمخيم جباليا، حيث لا تزال آثار الحرب حاضرة في حياة السكان وممتلكاتهم، يواصل محمود العمل داخل محل والده، محاولًا استعادة جزء من حياته التي تبدلت بفعل القصف والإصابة والفقد.
ولا يستحضر محمود حياته قبل الحرب إلا ليدرك حجم الخسارة، لكنه يرفض أن يجعل الماضي حاجزًا أمام محاولاته لبناء مستقبل أفضل. فالمحل الذي كان يعمل فيه عدد من العمال بات اليوم مساحة لاختبار قدرته على الصمود، ومكانًا يحاول من خلاله تأمين لقمة العيش بيد واحدة.
وبين آثار الدمار ورائحة الطعام التي لم تغادر المكان، يتمسك محمود بأمله في أن تتحسن ظروفه، وأن يجد الدعم الذي يساعده على تطوير مشروعه ومواجهة احتياجاته المتزايدة. فكل يوم يفتح فيه باب المحل يمثل بالنسبة إليه انتصارًا صغيرًا على واقع فرضته الحرب، وخطوة جديدة في طريق طويل لاستعادة الاستقرار.
لم يستعد محمود يده التي فقدها، ولا عينه التي حرمته من الرؤية كما كان يرى سابقًا، ولم يستعد أفراد عائلته الذين رحلوا تحت القصف، لكنه استعاد شيئًا آخر لا يقل أهمية: إرادته في مواصلة الحياة.
وبيد واحدة، يحاول أن يعيد بناء ما دمرته الحرب، متمسكًا بمحل والده وحق أسرته في العيش الكريم، ومؤمنًا بأن البدايات الصعبة لا تعني نهاية الطريق.