محمد الضيف.. سيرة رجلٍ طاردته إسرائيل حتى اللحظة الأخيرة

محمد الضيف.. سيرة رجلٍ طاردته إسرائيل حتى اللحظة الأخيرة

2026/11/01 الساعة 09:40 م
محمد الضيف.. سيرة رجلٍ طاردته إسرائيل حتى اللحظة الأخيرة

خاص | اليوم الإخباري

من أزقة مخيم خان يونس، حيث بدأت حكاية طفل نشأ في أسرة فلسطينية لاجئة، إلى قيادة هيئة أركان كتائب الشهيد عز الدين القسام، امتدت مسيرة الشهيد محمد دياب إبراهيم المصري، المعروف باسم "محمد الضيف"، عبر عقود من المواجهة والملاحقة والعمل العسكري، ليصبح أحد أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأكثرها غموضاً على مستوى الظهور والحياة الشخصية.

لم يكن الضيف مجرد اسم يتردد في البيانات العسكرية، بل شخصية ارتبطت بمراحل متعددة من تطور العمل العسكري لحركة حماس، وشهدت مسيرته انتقاله من العمل التنظيمي في بداياته إلى مواقع القيادة، ومشاركته في رسم التحولات العسكرية التي شهدتها كتائب القسام، وصولاً إلى دوره في التخطيط لعملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل أن تعلن الكتائب استشهاده في يناير/كانون الثاني 2025، بعد أشهر من الغارة الإسرائيلية التي استهدفته في جنوب قطاع غزة.

وبين النشأة في المخيم، والاعتقال، والتنقل بين قطاع غزة والضفة الغربية، ومحاولات الاغتيال المتكررة، وصولاً إلى قيادة الجناح العسكري لحماس، تشكلت سيرة الضيف عبر محطات متلاحقة، ارتبطت بتحولات الحركة ومسار المواجهة مع الاحتلال على مدار أكثر من ثلاثة عقود.

من مخيم خان يونس إلى بدايات العمل التنظيمي

وُلد محمد دياب إبراهيم المصري عام 1965 في قطاع غزة، لعائلة فلسطينية لاجئة تعود أصولها إلى قرية كوكبا، التي هُجّرت خلال نكبة عام 1948، واستقرت في مخيم خان يونس، حيث نشأ في ظروف معيشية صعبة، واضطر في سنواته الأولى إلى مساعدة أسرته، فعمل مع والده في مهنة التنجيد، كما عمل في تربية الدواجن وقيادة المركبات.

ورغم تلك الظروف، واصل تعليمه والتحق بالجامعة الإسلامية في غزة، حيث درس العلوم وتخصص في علم الأحياء، كما شارك في الأنشطة الطلابية والفنية والمسرحية. ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، بدأت ملامح انخراطه في العمل التنظيمي تتشكل، بالتزامن مع صعود حركة حماس، إذ انضم إلى صفوفها وشارك في أنشطتها خلال مرحلة التأسيس والانتشار.

وفي عام 1989 اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي، ليقضي فترة في السجون، حيث تعرّف إلى شخصيات قيادية كان لها دور في تشكيل البنية العسكرية للحركة لاحقاً، ومن بينها صلاح شحادة وزكريا الشوربجي. وبعد خروجه، اتجه إلى العمل العسكري بصورة أكثر تنظيماً، وبدأت ملامح دوره تتبلور داخل البنية الناشئة لكتائب القسام.

من غزة إلى الضفة.. بناء القوة ومواجهة الملاحقة

لم تقتصر تحركات الضيف في بداياته على قطاع غزة، إذ انتقل إلى الضفة الغربية خلال مرحلة مبكرة من عمله، في ظل الحاجة إلى توسيع الحضور التنظيمي والعسكري خارج القطاع. وشملت تحركاته مناطق في بيت لحم والخليل والقدس، قبل أن يعود إلى غزة مع توسع نشاطه العسكري.

وفي تلك السنوات، برز الضيف ضمن القيادات التي تولت مسؤوليات متقدمة في العمل العسكري، وتولى قيادة مجموعات القسام في مرحلة خلفاً للقائد عماد عقل، كما ارتبط اسمه بالعمل مع المهندس يحيى عياش، الذي كان من أبرز الشخصيات المرتبطة بتطوير القدرات العسكرية للحركة. وشهدت تلك المرحلة عمليات بارزة، من بينها عملية اختطاف الجندي الإسرائيلي نحشون فاكسمان عام 1994، التي انتهت بمقتله خلال محاولة إسرائيلية لتحريره.

وفي أعقاب استشهاد يحيى عياش في يناير/كانون الثاني 1996، دخلت المواجهة مرحلة جديدة، وارتبط اسم الضيف بسلسلة عمليات أطلقت عليها الحركة اسم "الثأر المقدس". ومع مرور الوقت، انتقل من قيادة مجموعات ميدانية إلى مسؤوليات أوسع في بناء الهيكل العسكري وتوسيع قدراته، بالتعاون مع قيادات وشخصيات متخصصة، من بينها عدنان الغول الذي ارتبط اسمه بتطوير الصناعات العسكرية المحلية.

سبع محاولات اغتيال.. والنجاة من الاستهداف

على امتداد سنوات طويلة، ظل محمد الضيف هدفاً رئيسياً للاستخبارات الإسرائيلية، التي حاولت الوصول إليه في أكثر من مناسبة عبر عمليات الرصد والمتابعة والاستهداف الجوي. وتشير المعلومات المتداولة عن سيرته إلى نجاته من سبع محاولات اغتيال على الأقل، خلال مراحل مختلفة من مسيرته، وسط اختلاف في بعض تفاصيل تلك المحاولات ونتائجها.

وكانت محاولة اغتياله عام 2002 من أبرز المحطات التي أحاطت بحياته بالغموض، إذ تحدثت تقارير عن تعرضه لإصابات بالغة وفقدانه إحدى عينيه، فيما تعرض لاستهداف جديد عام 2006. وخلال حرب عام 2014، قصفت إسرائيل منزلاً في قطاع غزة، ما أدى إلى استشهاد زوجته وابنه الرضيع وابنته، وفق ما أوردته التقارير الإعلامية.

كما حاولت إسرائيل استهدافه مجدداً خلال معركة سيف القدس عام 2021، دون أن تتمكن من الوصول إليه. وإلى جانب نجاته من محاولات الاغتيال، اعتمد الضيف نمطاً صارماً من السرية، وابتعد عن الظهور العلني، مع تعدد أماكن إقامته وتنقله، فيما ارتبط لقبه "الضيف" بحياة الترحال وتغيير أماكن الإقامة لتجنب الرصد والملاحقة.

من قيادة القسام إلى تطوير منظومتها العسكرية

مثّل تولي الضيف قيادة هيئة أركان كتائب القسام محطة مفصلية في مسيرته، لا سيما بعد استشهاد القائد صلاح شحادة عام 2002، إذ أصبح في موقع المسؤولية عن قيادة الجناح العسكري خلال مرحلة شهدت تحولات متسارعة في طبيعة المواجهة. وخلال السنوات التالية، ارتبط اسمه بتطوير القدرات العسكرية للقسام وتوسيع بنيتها التنظيمية.

وشملت التحولات تطوير التصنيع العسكري المحلي والصواريخ والأنفاق ومنظومات التسليح، إلى جانب توسيع التشكيلات والوحدات العسكرية. كما شهدت تلك المرحلة تطوراً في مدى الصواريخ المستخدمة خلال جولات التصعيد، وظهور قدرات عسكرية أكثر تنوعاً، وصولاً إلى توظيف الأنفاق خلال المواجهات البرية.

وارتبطت فترة قيادته بعملية أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2006، وما تبعها من إدارة ملفه حتى إتمام صفقة تبادل الأسرى "وفاء الأحرار" عام 2011، التي أُفرج بموجبها عن أكثر من ألف أسير فلسطيني مقابل الإفراج عنه. وبالتوازي، شهدت كتائب القسام توسعاً في تشكيلاتها العسكرية، وظهور وحدات وتخصصات جديدة، من بينها قوات النخبة التي أُعلن عن تشكيلها عام 2013.

طوفان الأقصى.. من التخطيط إلى قيادة المواجهة

بلغت مسيرة الضيف واحدة من أكثر محطاتها حساسية مع عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي أعلن عنها بصوته في تسجيل مصور بثته كتائب القسام مع انطلاق العملية، تحت اسم "طوفان الأقصى". وجاءت العملية بعد سنوات من التحولات في طبيعة المواجهة بين إسرائيل وقطاع غزة، وفي ظل تصاعد التوترات السياسية والميدانية.

وكان الضيف، بصفته قائد هيئة أركان القسام، في قلب القيادة العسكرية للحركة خلال تلك المرحلة، وارتبط اسمه بالتخطيط للعملية وإدارة المسار العسكري الذي أعقبها. وشكلت العملية نقطة تحول كبرى في مسار الصراع، وفتحت الباب أمام حرب إسرائيلية واسعة على قطاع غزة.

ومع اندلاع الحرب، بقي الضيف بعيداً عن الظهور المباشر، في وقت استمرت فيه إسرائيل في ملاحقته ووضعت الوصول إليه ضمن أهدافها الرئيسية. وشكلت تلك المرحلة ذروة مسيرته القيادية، بعد سنوات طويلة من العمل العسكري والتنظيمي، تنقل خلالها بين المسؤوليات الميدانية والقيادية وصولاً إلى قيادة الجناح العسكري.

المواصي.. الغارة الأخيرة وإعلان الاستشهاد

في 13 يوليو/تموز 2024، نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي غارة جوية واسعة استهدفت منطقة المواصي غربي خان يونس، معلناً أن الضربة استهدفت محمد الضيف ورافع سلامة، قائد لواء خان يونس في كتائب القسام. وتسببت الغارة في مجزرة كبيرة بحق النازحين والمدنيين، وأسفرت، وفق ما أعلنته وزارة الصحة في غزة آنذاك، عن استشهاد وإصابة أعداد كبيرة من الفلسطينيين.

وفي الأول من أغسطس/آب 2024، أعلن الجيش الإسرائيلي تأكده من استشهاد الضيف في الغارة، بينما لم تصدر كتائب القسام حينها تأكيداً رسمياً، وظلت حالة الغموض قائمة حول مصيره لأشهر. وبعد فترة طويلة من التكتم، أعلنت الكتائب في 30 يناير/كانون الثاني 2025 استشهاد محمد الضيف.

وجاء الإعلان إلى جانب تأكيد استشهاد عدد من قادة المجلس العسكري، بينهم نائبه مروان عيسى، وغازي أبو طماعة، ورائد ثابت، ورافع سلامة، ليضع حداً للتكهنات التي استمرت منذ استهداف المواصي. وهكذا انتهت رحلة الشهيد محمد الضيف، التي بدأت في مخيم خان يونس، ومرّت بالسجون والضفة الغربية ومواقع القيادة العسكرية، وصولاً إلى قيادة القسام خلال واحدة من أكثر مراحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دموية وتعقيداً.

وبين النشأة والعمل التنظيمي، والملاحقة ومحاولات الاغتيال، وتطور البنية العسكرية للحركة، وصولاً إلى طوفان الأقصى والغارة التي استهدفته في المواصي، بقيت سيرته مرتبطة بمحطات مفصلية من تاريخ المواجهة، وبشخصية ظلت بعيدة عن الأضواء، لكنها ارتبطت بمحطات بارزة في تاريخ المواجهة مع الاحتلال على مدار عقود.

7ba91f96-a154-4797-a3f9-af19e8f770bd.jpeg