خاص اليوم الإخباري/ نضال أبو شربي
في غزة، حيث الحرب والجوع والخوف، لم تُقهر روح الفن. وسط الركام والنزوح، وجدت الشابة الفلسطينية مرح خالد في الرسم ملاذًا يوثق الألم ويحفظ الأمل.
ورغم فقدان البيت والمدرسة وأبسط أدوات الرسم، تحولت لوحاتها إلى شهادة حية على صمود أهالي قطاع غزة خلال عامين من الحرب.
من داخل أحد مخيمات النزوح، ووسط عائلات مكتظة في مدينة غزة، تنهمك مرح في وضع اللمسات الأخيرة على لوحة فنية جديدة، قبل أن تلصقها على جدار خيمتها المصنوعة من القماش. لم تعد الخيمة مجرد مأوى مؤقت لفتاة نزحت قسرًا من منزلها، بل تحولت إلى معرض فني صغير يوثق، بالأبيض والأسود، تفاصيل المعاناة الفلسطينية خلال الحرب.
أصعب الأوقات
على الأرض، تحيط بمرح لوحات معلقة بشريط لاصق وأدوات رسم بدائية جمعتها بصعوبة.
أصبح الرسم وسيلتها الوحيدة لتفريغ الطاقة السلبية والهروب من مشاهد الموت والقهر التي عاشها سكان قطاع غزة منذ اندلاع الحرب.
تقول مرح: "لم أعرف الرسم بشكل جدي قبل الحرب، لكنه أصبح عالمي الخاص الذي احتميت به من الخوف".
مرح من مدينة بيت حانون شمال قطاع غزة، اضطرت للنزوح مع عائلتها إلى مخيم في حي الرمال غرب المدينة، بعد أن منع الجيش الإسرائيلي عودتهم إلى مناطقهم، رغم إعلان وقف إطلاق النار.
وتشير إلى أن فقدان البيت والشعور بعدم الاستقرار شكّلا صدمة كبيرة بالنسبة لها، لكنها حاولت تحويل هذا الواقع القاسي إلى مساحة للتعبير الفني.
وتوضح: "اكتشفت موهبتي في الرسم خلال الحرب، واتخذتها ملجأ للهروب من الواقع المرير. كنت أرسم كلما اشتد القصف أو سيطر الخوف عليّ".
من الرصاص إلى الحبر
رغم أن مرح بدأت الرسم منذ طفولتها، إلا أن الحرب أجبرت موهبتها على التوقف بعد انقطاع الدراسة لعام كامل. وفي بدايات النزوح إلى دير البلح، حيث تقاسمت عائلتها المسكن مع أكثر من عشرين عائلة، وجدت في الرسم وسيلة للهروب من الواقع الصعب.
بدأت بقلم الرصاص، ثم شاركت في مسابقة رسم كشفت قدرتها على التعبير عن المشاعر.
وعندما عادت مع أسرتها إلى بيت حانون، كان منزلهم قد تضرر، لكن ذلك لم يمنعها من مواصلة الرسم وتوثيق التجربة القاسية التي عاشها أهل غزة.
ومع استمرار النزوح وفترات المجاعة، اضطرت مرح للرسم بالحبر الأبيض والأسود مستخدمة أدوات بسيطة، حتى أنها في بعض الأحيان استعانت بحبر الأواني المستخدمة للطهي. حولت مشاعر الخوف والجوع والرعب إلى أعمال فنية صادقة، جسدت الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، والمصابين والمبتورين، وكل ما رأته من ألم حولها.
عودة الألوان
مع فتح المعابر، بدأت مرح بجمع الألوان ومواصلة الرسم، وعرض أعمالها في معارض صغيرة كوسيلة دعم نفسي لنفسها ولمن حولها.
تؤكد أن حلمها الأكبر هو دخول عالم الفن وافتتاح معرض خاص بها، ليطّلع العالم على ما عاشه أهالي غزة من مأساة وصمود.
وخلال الحرب، أنهت مرح مرحلة الثانوية العامة، لكنها لم تلتحق بالجامعة بعد، قائلة: "أحلم بحياة جامعية طبيعية، لا أريد أن تكون الدراسة مجرد محاولة للبقاء. الرسم منحني راحة نفسية ساعدتني على مقاومة الخوف والألم".
صرخة الأرواح
داخل الخيمة، تبرز مرح إحدى لوحاتها التي تحمل عنوان "صرخة الأرواح".
تشرح أنها رسمتها خلال فترة المجاعة، حين كان والدها يحاول الحصول على مساعدات غذائية لإعالة الأسرة.
تتذكر: "بدأت رسم اللوحة ليلًا، بينما كان والدي ينتظر وصول المساعدات. كنت خائفة ألا يعود، أو أن يُقتل أثناء محاولته الحصول على الطعام".
تؤكد أن هذه اللوحة هي الأقسى بالنسبة لها، لأنها ارتبطت بلحظات خوف حقيقية.
تعتمد مرح في معظم أعمالها على اللونين الأبيض والأسود، موضحة أن هذا الخيار فرضته الظروف أكثر مما كان قرارًا فنيًا: "الأبيض والأسود يعكسان مرارة الحياة التي عشناها، كما أن شح أدوات الرسم أجبرني على استخدام ما هو متاح".
كانت تجمع الفحم من بقايا الأواني وأقلام الحبر الجاف لرسم لوحاتها، مؤكدة أن نقص الأدوات لم يكن عائقًا، بل إن موهبتها كانت "غذاءً للروح".
معرض داخل خيمة
على مدخل الخيمة، يتجمع يوميًا عدد من الأطفال النازحين لمشاهدة اللوحات. بعضهم يدخل بخجل، وآخرون يكتفون بالنظر من الخارج.
وتقول مرح: "أحرص على شرح كل لوحة للأطفال، وذكر اسمها، وتوضيح ما ترمز إليه. أريدهم أن يروا أن الألم يمكن أن يتحول إلى شيء مختلف".
ولا يقتصر زوار المعرض على الأطفال فقط، إذ يتوقف عدد من النازحين والبالغين أمام خيمة مرح.
يقول مصطفى خالد (37 عامًا)، نازح من حي الشجاعية: "هذه ليست مجرد رسومات، كل لوحة هنا تشبه قصة عشناها. رأيت نفسي وعائلتي في هذه الخطوط السوداء".
ويضيف أن بساطة الأدوات المستخدمة تزيد من قوة الرسالة، معتبرًا أن المعرض يكسر الصمت ويمنح الزوار شعورًا بأن آلامهم مشتركة.
قسمت مرح خيمتها إلى زوايا متعددة، تعكس كل واحدة جانبًا من الحرب: زاوية للنزوح الجماعي، وأخرى للأطفال مبتوري الأطراف، ولوحات للمجوعين، وأخرى للقتلى وأمهاتهم.
وتختم حديثها بالقول: "ربما تكون خيمتي صغيرة، لكنني أردت أن أترك أثرًا، وأن أقول إننا كنا هنا، وشعرنا بكل هذا الألم".
قصص مثل قصة مرح خالد تؤكد أن الفن لا يعرف الحواجز، وأن الإبداع قادر على تحويل الألم إلى شهادة إنسانية حية. أعمالها ليست مجرد رسومات، بل أرشيف بصري يوثق تجربة غزة، ويحمل رسالة أمل وصمود لكل من يراها.







