عودة عودة/ خاص اليوم الإخباري
بعد أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب والمعاناة الإنسانية في قطاع غزة، عادت مؤشرات الحديث عن إمكانية حدوث انفراجة إلى الواجهة، في ظل ما تنقله وسائل إعلام عبرية بشأن تطورات في مسار المفاوضات، إلى جانب تصريحات سياسية فلسطينية تحدثت عن قرب التوصل إلى تفاهمات.
وتأتي هذه المؤشرات في وقت تتكثف فيه التحركات السياسية والاتصالات بين الأطراف المختلفة، وسط تساؤلات حول مدى جدية هذه التطورات، وما إذا كانت تمهّد لاتفاق فعلي ينهي حالة الحرب، أم أنها مجرد محطة جديدة في مسار تفاوضي طويل ومعقد.
تصريحات سياسية ورسائل تفاؤل
قال سمير المشهراوي، نائب رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، خلال مقابلة مع قناة الغد، إن هناك خطوات تفصل الأطراف عن التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن قطاع غزة، مشيراً إلى وجود تطورات في مسار الاتصالات الجارية.
وأضاف المشهراوي أن الأجواء الحالية تحمل قدراً من التفاؤل، في ظل وجود تحركات سياسية ومواقف من مختلف الأطراف قد تدفع باتجاه الوصول إلى تفاهمات خلال المرحلة المقبلة.
وتأتي هذه التصريحات بالتزامن مع استمرار جهود الوسطاء، خصوصاً مصر وقطر وتركيا، للدفع نحو اتفاق يتضمن وقف إطلاق النار وترتيبات المرحلة المقبلة.
قراءة سياسية: متغيرات تدفع نحو التفاؤل
وفي تصريحات خاصة لـ”اليوم الإخباري”، قال المحلل السياسي ثابت العمور إن هناك تفاؤلاً هذه المرة في لقاءات القاهرة، مشيراً إلى أن تغييرات طرأت خلال الفترة الماضية قد تقود إلى انفراجة في ملف غزة.
وأوضح العمور أن أبرز المتغيرات تتمثل في الانتخابات الداخلية التي شهدتها حركة حماس، والتي أفضت إلى انتخاب رئيس مكتب سياسي جديد، معتبراً أن جزءاً من المرونة التي أبدتها الحركة يرتبط بهذه المرحلة الجديدة.
وأشار إلى أن قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر “الكابينت” السماح بدخول قوات دولية ولجنة تكنوقراط، بغض النظر عن خلفيات القرار والضغوط التي قادت إليه، يمثل خطوة مهمة يمكن البناء عليها في دور الوسطاء والمسار السياسي.
وأضاف العمور أن عقد ثماني أو تسع جولات تفاوضية في القاهرة منذ شهر آذار/مارس الماضي، وما رافقها من مقترحات وتعديلات، يعني أن الأطراف المختلفة باتت أقرب إلى بلورة تفاهمات مشتركة.
ولفت إلى أن دخول تيار الإصلاح الديمقراطي بقيادة محمد دحلان على خط الاتصالات والمفاوضات يمثل مؤشراً إيجابياً، بالنظر إلى علاقات التيار مع حركة حماس والوسطاء والأطراف المعنية.
واعتبر العمور أن حجم الدمار في قطاع غزة، ووصول الأطراف إلى قناعة بعدم إمكانية استمرار الحرب، إلى جانب رغبة الوسطاء، خصوصاً مصر وقطر وتركيا، في إنهاء الحرب، كلها عوامل تدفع باتجاه حدوث انفراجة والانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة.
وأضاف أن وجود إدارة أميركية يقودها الرئيس دونالد ترامب، المعروف بتفضيله عقد الصفقات، قد يفتح الباب أمام تفاهمات سياسية أوسع، مشيراً إلى احتمالية وجود صفقة مرتبطة بملفات إقليمية أخرى.
الإعلام العبري وتقديرات مسار المفاوضات
أكد المختص بالشأن الإسرائيلي عاهد فروانة، في تصريحات خاصة لـ”اليوم الإخباري”، أن تطورات ملف غزة تصدّرت مساحة واسعة في وسائل الإعلام العبرية، التي تحدثت عن اتصالات مكثفة واحتمالات تحقيق تقدم في مسار المفاوضات، وسط حديث عن ضغوط داخلية وخارجية تدفع باتجاه التوصل إلى تفاهمات.
وأوضح فروانة أن معظم ما يُتداول في الإعلام العبري بشأن ملف مفاوضات غزة يستند إلى تحليلات وتقديرات، وليس إلى معلومات دقيقة أو معطيات مؤكدة حول هذا الملف.
وأشار إلى أن بعض المحللين الإسرائيليين يرون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ربما فضّل تأجيل حسم بعض القضايا قبل لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بهدف تجنّب أي ضغوط مرتبطة بملف المفاوضات، موضحًا أن التركيز خلال تلك المرحلة انصبّ بصورة أكبر على الملف الإيراني وتداعياته.
وأضاف فروانة أن تقديرات داخل إسرائيل تشير إلى صعوبة تحقيق تقدم حقيقي أو تقديم تنازلات في ملف المفاوضات قبل الانتخابات الإسرائيلية، لافتًا إلى أن أي تنازلات محتملة ستكون مرتبطة بدرجة الضغوط الأمريكية التي يمكن أن تُمارس على حكومة نتنياهو خلال الفترة المقبلة.
وأكد أن التساؤل الأساسي يتمثل في مدى استعداد الإدارة الأمريكية لممارسة ضغوط على نتنياهو، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات داخل إسرائيل، مشيرًا إلى أن ما يُنشر حتى الآن يبقى في معظمه منقولًا عن وسائل إعلام عربية وفلسطينية، دون الكشف عن معلومات إسرائيلية مؤكدة بشأن تطورات حقيقية في مسار المفاوضات.
التطورات على الأرض
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الاتصالات السياسية أملاً في التوصل إلى اتفاق، لا تزال التطورات على الأرض تسير في اتجاه مغاير، إذ يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عملياته العسكرية في قطاع غزة، مع استمرار القصف وإصدار أوامر الإخلاء وتوسيع ما يُعرف بـ”المربعات الصفراء” على خرائطه العسكرية.
ومنذ ساعات صباح اليوم، ارتقى 6 شهداء من بينهم طفلان جراء غارات إسرائيلية متفرقة استهدفت مناطق عدة في القطاع، في مشهد يعكس استمرار التصعيد بالتوازي مع مسار المفاوضات
بين التفاؤل والحذر
ورغم تصاعد الحديث عن انفراجة محتملة، فإن التجارب السابقة في مفاوضات غزة أظهرت أن التصريحات الإيجابية لا تعني بالضرورة الوصول إلى اتفاق نهائي، إذ اصطدمت جولات عديدة بخلافات سياسية وميدانية.
ويبقى السؤال المطروح: هل تحمل المؤشرات الحالية تحولاً حقيقياً نحو إنهاء الحرب وبدء مرحلة جديدة في غزة، أم أنها مجرد جولة أخرى في مسار تفاوضي معقد؟
ويعبّر المواطن علاء أبو محمد عن أمله في أن تُفضي الجهود السياسية إلى اتفاق قريب، قائلاً: “أنا أتمنى أن يكون في حل بأسرع وقت، وأن تنتهي الحرب بشكل كامل. بكفي معاناة للناس وبكفي دم وقتل ودمار. نفسي أعيش أنا وعائلتي بهدوء واستقرار، وأن تبدأ إعادة إعمار غزة وترجع الحياة فيها من جديد."
وفي ظل استمرار الاتصالات والضغوط الدولية، يترقب الفلسطينيون ما ستؤول إليه الأيام المقبلة، وسط آمال بأن تتحول التصريحات السياسية والتحركات الدبلوماسية إلى خطوات عملية تنعكس على الواقع الإنساني في قطاع غزة.