خاص اليوم الإخباري/ نضال أبو شربي
أقاموا له بيت عزاء.. ثم عاد من الموت: حكاية حمادة الذي فقد أخاه وذاكرته وسنوات من عمره
حكايات غزة بلا نهاية؛ فالمأساة لا تنتهي عند لحظة القصف، ولا يتوقف الألم عند إعلان الشهادة. هناك من يُكتب له النجاة، لكنه يعود محمّلًا بجراح لا تراها العين، وبذاكرة مثقلة بصور الموت، وبسنوات سُرقت من عمره بين المستشفى والسجن.
هذه ليست قصة إصابة عابرة، بل رحلة إنسان عبر الموت والغيبوبة والأسر، ثم العودة إلى بيت أقام له أهله فيه عزاءً بعدما اعتقدوا أنه استشهد.
حمادة ياسر عبد البنا، شاب فلسطيني من قطاع غزة، خرج ذات صباح بحثًا عن كيس من الطحين، كما خرج آلاف الفلسطينيين الذين دفعتهم المجاعة إلى مراكز توزيع المساعدات. لم يكن يعلم أن تلك الرحلة ستقسم حياته إلى مرحلتين؛ ما قبلها وما بعدها، وأنه سيفقد أخاه، وذاكرته، وسنوات من عمره، قبل أن يعود إلى عائلته التي ودعته معتقدة أنه لن يعود.
خرج مع أخيه وعاد وحده
في ساعات الصباح الأولى، تلقى حمادة اتصالًا من شقيقه الأكبر أدهم، وهو أب لأربعة أطفال، يطلب منه مرافقته إلى منطقة زيكيم للحصول على بعض المساعدات الغذائية.
وسط الازدحام الشديد، افترق الشقيقان؛ تمكن حمادة من الحصول على كيس من الطحين، بينما اختفى أدهم بين آلاف المنتظرين.
وأثناء عودته، تلقى اتصالًا قلب حياته رأسًا على عقب: "أخوك أدهم استشهد".
رفض حمادة تصديق الخبر في البداية، معتقدًا أنه مجرد إشاعة أو خطأ، خاصة أنه لم يكن قد تجاوز بعد صدمة فقدان شقيق آخر قبل فترة قصيرة.
ألقى كيس الطحين جانبًا، وبدأ يركض بين الجثامين المنتشرة على الأرض، يقلب الوجوه واحدًا تلو الآخر، داعيًا الله أن يجد أخاه مصابًا لا شهيدًا.
كان يبحث عن الحياة وسط الموت
وبينما كان يفتش عن شقيقه، دوّى انفجار عنيف غيّر كل شيء.
في لحظة واحدة، وجد حمادة نفسه محلقًا في الهواء قبل أن يرتطم بالأرض. يقول إنه شعر بأن الموت أصبح قريبًا منه، فأخذ يردد الشهادة، ثم أغمض عينيه معتقدًا أنها لحظاته الأخيرة.
شهران في غيبوبة وذاكرة اختفت
استفاق حمادة في مستشفى لا يعرفه، عاجزًا عن تحريك جسده سوى برأسه، وسط إصابات بالغة وأنابيب تحيط به من كل جانب.
كان يسمع من حوله لغة لا يفهمها، قبل أن يخبره أحد المتحدثين بالعربية بأنه قضى شهرين كاملين في غيبوبة داخل مستشفى "سوروكا".
لكن المفاجأة الأكبر لم تكن الغيبوبة، بل فقدان الذاكرة؛ فلم يعد يتذكر أهله، ولا يعرف ما الذي حدث له أو كيف وصل إلى هناك.
كل ما كان يشعر به هو الألم الشديد، حتى إنه كان يطلب من الأطباء بتر ساقه من شدة الوجع، لكنهم كانوا يرفضون.
من سرير العلاج إلى زنزانة الأسر
بعد نحو ستة أشهر من العلاج، ظن حمادة أن رحلته انتهت وأنه سيعود إلى عائلته، لكن فصلًا جديدًا من المعاناة بدأ.
فور خروجه من المستشفى، قُيدت يداه وقدماه، وعُصبت عيناه، ونُقل إلى السجن دون أن يعرف إلى أين يُقتاد أو لماذا.
في الزنزانة الانفرادية، عاش أشهرًا طويلة وسط الحر الشديد والعزلة والقهر. يصف المكان بأنه غرفة ضيقة بالكاد تتسع لجسده، تضم مرحاضًا فقط، فيما كانت الأيام تمر ببطء شديد حتى أصبح يشعر بأن السنة الواحدة تعادل عشرين عامًا.
كانت ذكريات شقيقيه الشهيدين تلاحقه باستمرار، وفي لحظات اليأس حاول إنهاء حياته أربع مرات، قبل أن يتدخل السجانون لإيقافه.
الحرية التي لم يصدقها
بعد عام من الاعتقال، اقتيد حمادة مع عدد من الأسرى، مكبل اليدين والقدمين، دون أن يعلم إلى أين يتجه.
ركب الحافلة وهو يردد في داخله دعاءً واحدًا: "يا رب... أكون راجع على بيتي".
وعندما توقفت الحافلة، فُكت قيوده، ودفعه أحد الجنود قائلًا: "اذهب إلى بيتك".
في تلك اللحظة، لم يصدق ما حدث، وظل يسأل نفسه إن كان يحلم، حتى استقبله طاقم الصليب الأحمر.
وكان أول طلب له هاتفًا، أراد فقط أن يسمع صوت والده.
"إحنا عملنا لك عزاء"
رن الهاتف، وأجاب والده.
قال حمادة: "يا أبي... أنا حمادة".
ساد الصمت للحظات، ثم جاء الرد الذي سيبقى محفورًا في ذاكرته: "حمادة؟! أنت استشهدت... إحنا عملنا لك عزاء ثلاثة أيام".
كانت العائلة قد تلقت بلاغًا يفيد باستشهاده، واستقبلت المعزين وبكته، معتقدة أن قصته انتهت.
لكن الابن الذي ودعوه عاد إليهم حيًا.
لقاء يشبه المعجزة
عندما وصل حمادة إلى غزة، لمح والدته بين عشرات الأشخاص، فنزل من السيارة مسرعًا واحتضنها بكل ما بقي فيه من قوة، لكنها فقدت وعيها من شدة الصدمة.
ظن للحظة أنها فارقت الحياة أيضًا، فجلس يبكي ويحاول إفاقتها، قبل أن تستعيد وعيها وسط دموع العائلة التي عاشت لحظة لم تتخيل يومًا أنها ستراها.
ابنهم الذي شيعوه عاد إليهم حيًا.
الحرب لا تنتهي عند النجاة
اليوم، يعيش حمادة داخل دائرة من الكوابيس؛ لا يزال يسمع صوت الانفجار في أذنيه، ويعاني من آلام مزمنة في ساقه، ويخشى كل ليلة أن يفتح عينيه ليجد نفسه مجددًا داخل الزنزانة.
وعندما عاد إلى حيه، لم يتعرف إليه؛ فالمنازل اختفت، والشوارع تغيرت، وكل شيء أصبح ركامًا، حتى المكان الذي نشأ فيه لم يعد يشبه ذاكرته.
يقول حمادة إنه يشعر أحيانًا بأنه يعيش حلمًا طويلًا لا يعرف متى ينتهي، وأن النجاة من الموت لم تنه معاناته، بل بدأت معها رحلة أخرى من الألم النفسي والجسدي.
قصة حمادة عبد البنا ليست رواية خيالية، بل شهادة حية على ما يمكن أن تفعله الحرب بإنسان واحد؛ رحلة بدأت بالبحث عن كيس من الطحين، وانتهت بفقدان شقيق، وغيبوبة طويلة، وفقدان للذاكرة، وسجن، ثم عودة إلى منزل كان أهله قد أقاموا له فيه بيت عزاء.
ورغم عودته إلى الحياة، فإن الحرب ما زالت تسكن تفاصيل يومه؛ في صوت الانفجار الذي لا يغادر أذنيه، وفي الألم الذي يرافق ساقه، وفي الكوابيس التي توقظه ليلًا، وفي مدينة لم يعد يعرف ملامحها.
إنها قصة تؤكد أن بعض الناجين لا يعودون كما كانوا، وأن النجاة في غزة قد تكون بداية معركة جديدة مع الذاكرة والفقد وآثار الحرب التي تبقى حاضرة حتى بعد الصمت.