جاء انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس في توقيت بالغ الحساسية، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة، والتغيرات التي طرأت على بنية قيادة الحركة عقب استهداف عدد من قياداتها، إلى جانب تعقيدات المشهد السياسي والعسكري في المرحلة الحالية.
ويرى محللون سياسيون أن وصول الحية إلى قيادة الحركة يفتح الباب أمام تحديات كبيرة، تتعلق بالحفاظ على تماسك الحركة، وإدارة مسار المفاوضات، والتعامل مع تداعيات الحرب، إضافة إلى تحديد شكل دورها في المشهد الفلسطيني خلال المرحلة المقبلة.
وقال المحلل السياسي المختص بالشؤون الإسرائيلية عوني فروانة، في تصريحات خاصة لـ"اليوم الإخباري"، إن دولة الاحتلال الإسرائيلي كانت تتوقع انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس، مشيرًا إلى أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تحدثت سابقًا عن كونه الأوفر حظًا لتولي هذا المنصب.
وأوضح فروانة أن الاحتلال يحاول تقديم الحية باعتباره من المقربين من المحور الإيراني، بهدف تعزيز روايته التي تسعى إلى ربط حركة حماس بهذا المحور، واستخدام ذلك ذريعة للتنصل من أي التزامات مرتبطة بالاتفاقات أو المراحل المقبلة.
وأضاف أن الاحتلال يوظف هذا الخطاب لتبرير استمرار عملياته العسكرية، بحجة أن حركة حماس ترفض تسليم أسلحتها، مشيرًا إلى أن إسرائيل تواصل توسيع ما تسميه "المنطقة الصفراء" لتشمل أكثر من 70% من مساحة قطاع غزة، إلى جانب استمرار عمليات الاستهداف والاغتيالات اليومية، وتقليص دخول المساعدات والبضائع إلى القطاع.
وبيّن فروانة أن الحسابات الداخلية الإسرائيلية تلعب دورًا أساسيًا في موقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خاصة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وتراجع شعبيته في ظل صعود منافسين سياسيين مثل غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت، الأمر الذي يدفعه، وفقًا لفروانة، إلى تكثيف العمليات في غزة بهدف تعزيز موقعه السياسي داخليًا.
وأكد المحلل السياسي أن الاحتلال قد يتجه إلى مزيد من التشدد بعد انتخاب خليل الحية، باعتبار ذلك فرصة لمواصلة عملياته العسكرية في القطاع، مشيرًا إلى أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية تسعى إلى جعل قطاع غزة منطقة غير صالحة للحياة، ضمن ما وصفه بمشروع التهجير الذي تعمل على تنفيذه.
وختم فروانة بالقول إن نتنياهو وحكومته يواصلان توظيف الحرب على غزة لخدمة أجنداتهما السياسية الداخلية، عبر استمرار التصعيد العسكري بدل الانتقال إلى مسارات تؤدي إلى إنهاء الحرب.
وفي المقابل، يرى المحلل السياسي وسام عفيفة أن انتخاب خليل الحية قائدًا جديدًا لحركة حماس لا يمثل "عصا سحرية" قادرة على تعويض القيادات التاريخية التي فقدتها الحركة جراء الاستهدافات التي طالت صفوفها الأولى.
وأوضح عفيفة، في تصريحات خاصة لـ"اليوم الإخباري"، أن نجاح الحية لا يُقاس فقط بقدرة الحركة على الحفاظ على موقعها في معادلة الصراع، بل يرتبط بمهام أكثر إلحاحًا، أبرزها الحفاظ على تماسك الحركة، وإعادة ضبط مراكز القرار فيها، وبلورة رؤية واقعية لدورها في المشهد الفلسطيني خلال المرحلة الحالية، التي تشهد استمرار الحرب بوتيرة منخفضة، إلى جانب ترتيبات المرحلة المقبلة أو ما يُعرف بـ"اليوم التالي".
وأشار إلى أن انتخاب الحية ينهي حالة الفراغ في موقع قيادة الحركة، لكنه في الوقت ذاته يضع القيادة الجديدة أمام اختبار صعب، خاصة أن الحية كان خلال الفترة الماضية رئيسًا لوفد حماس المفاوض، وهو ملف يُعد من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية.
وأضاف أن الحية كان يعمل سابقًا ضمن إطار القيادة الجماعية وآلية الشورى داخل الحركة، إلا أن توليه موقع القيادة يحمّله مسؤوليات أكبر، تتعلق بإدارة الملفات الداخلية وإعادة ترتيب الصفوف، إلى جانب التعامل مع مجموعة من القضايا المتشابكة.
وبيّن عفيفة أن الاختبار الأكبر أمام خليل الحية يتمثل في قدرته على الموازنة بين طبيعة القيادة الجماعية داخل الحركة، وبين امتلاكه القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة في ملفات شديدة الحساسية، مثل مسار المفاوضات والقرارات المتعلقة بالسلاح وغيرها من القضايا المصيرية.
ولفت إلى أن المرحلة المقبلة تفرض على القيادة الجديدة التعامل مع ملفات عديدة، من بينها وقف الحرب، وتثبيت وقف إطلاق النار، وترتيبات ما بعد الحرب، ومستقبل قطاع غزة، والعلاقة مع القوى الفلسطينية الداخلية، فضلًا عن التحولات الإقليمية والدولية التي تفرض إعادة صياغة علاقات الحركة مع الوسطاء والحلفاء والخصوم.
وختم عفيفة بالقول إن القرارات التي ستتخذها القيادة الجديدة تحتاج إلى شرعية داخلية داخل الحركة، إضافة إلى قبول واستيعاب ضمن الإطار الفلسطيني الأوسع، خاصة في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها القضية الفلسطينية.
في ضوء هذه التصريحات، يظهر أن انتخاب خليل الحية لرئاسة المكتب السياسي لحركة حماس يفتح مرحلة جديدة مليئة بالتحديات، حيث لا تقتصر مهمة القيادة الجديدة على ملء الفراغ القيادي، بل تمتد إلى إدارة ملفات سياسية وعسكرية معقدة في ظل استمرار الحرب على غزة.
وبينما تنظر إسرائيل إلى هذا الانتخاب باعتباره فرصة لتعزيز خطابها السياسي وتبرير استمرار عملياتها في قطاع غزة، تواجه حركة حماس اختبارًا صعبًا يتعلق بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وإدارة علاقاتها، والتعامل مع ملفات المفاوضات ومستقبل القطاع.