خاص اليوم الإخباري/ نضال أبو شربي
لم يكن صباح الثلاثاء يومًا عاديًا في غزة، ولم تكن الجنازة التي ملأت شوارع حي الصبرة مجرد موكب لوداع الموتى. كان يومًا خرج فيه الزمن من معناه، بعدما انتظرت عشرات العائلات أكثر من عامين ونصف العام لتستعيد أبناءها من تحت أكوام الإسمنت والحديد والغبار.
في ذلك الصباح، لم يحمل المشيعون نعوشًا فقط، بل حملوا انتظارًا دام سنوات، وذكريات توقفت عند لحظة انفجار، وأسماء ظلت معلقة بين قوائم الشهداء والمفقودين، حتى عادت اليوم على هيئة رفات يُدفن للمرة الأولى.
كان الأطفال الذين استشهدوا في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 قد كبر أقرانهم، وتبدلت وجوه المدينة، وتغيرت خرائط الأحياء، بينما بقي أصحاب تلك الجثامين أسرى تحت الأنقاض، لا قبر يحتضنهم، ولا أم استطاعت أن تقرأ الفاتحة فوق رؤوسهم، ولا أب عرف أين يرقد ابنه.
اليوم فقط، وبعد عمليات بحث وتنقيب استمرت 136 ساعة متواصلة، تمكنت طواقم الدفاع المدني والأهالي من انتشال رفات أكثر من 112 شهيدًا من عائلتي أبو شريعة والحساينة، الذين قضوا في واحدة من أكثر المجازر دموية في حي الصبرة جنوب مدينة غزة في الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
ولم تكن الجنازة مجرد وداع، بل شهادة جديدة على أن الحرب لا تنتهي بانتهاء القصف، بل تستمر في ذاكرة الأحياء، وفي الأنقاض التي ما زالت تخفي مئات الضحايا، وفي العائلات التي ما زالت تنتظر أن تعثر على عظام أحبائها لتمنحهم قبرًا يحمل أسماءهم.
مجزرة بقيت مدفونة تحت الركام
في الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2023 تعرض حي الصبرة لسلسلة من الغارات العنيفة، أسفرت، وفق مصادر فلسطينية، عن استشهاد 308 فلسطينيين من عائلتي أبو شريعة والحساينة، بينهم عشرات الأطفال والنساء وذوو الإعاقة.
ورغم مرور أكثر من عامين ونصف، بقيت عشرات الجثامين مدفونة تحت المنازل المدمرة، إلى أن بدأت عمليات إزالة الركام مؤخرًا، ليُنتشل أكثر من مئة شهيد، فيما لا يزال نحو 157 شخصًا في عداد المفقودين أو تحت الأنقاض.
"هذا يوم من أيام الله" العائلة تودع أبناءها بعد سنوات من الانتظار وقف عز الدين سلمان أبو شريعة بين النعوش المتراصة، محاولًا أن يصف ما لا يمكن للكلمات أن تصفه.
وقال عز الدين لليوم الإخباري، إن هذا اليوم سيظل محفورًا في ذاكرة العائلة، بعدما تمكنت الطواقم المختصة من انتشال 112 شهيدًا من أصل أكثر من 300 قضوا في المجزرة.
وأضاف أن ما تبقى من الضحايا ما زال تحت الأنقاض أو لم يُعثر لهم على أثر، متسائلًا أمام هذا المشهد: ماذا سيقول العالم وهو يرى أكبر جنازة تشهدها غزة منذ عقود؟
وأكد أن العائلة لا تطالب فقط بالتعويض عن البيوت التي دمرت، بل أيضًا باعتراف بمعاناتها، وتعويض معنوي يحفظ كرامة الضحايا الذين مُحيت عائلات بأكملها من السجل المدني، قبل أن يختم قائلاً: "حسبنا الله ونعم الوكيل."
الدفاع المدني
أربعون طفلًا بين الشهداء... وما زال الركام يخفي آخرين من بين المشاركين في التشييع، حضر أفراد الدفاع المدني الذين أمضوا الأيام الماضية بين الركام.
وقال العميد رائد الدهشان، مدير الدفاع المدني بمحافظة غزة، إن طواقمه أصرت على المشاركة في تشييع الشهداء الذين عملت على انتشالهم خلال الأيام الماضية.
وأوضح أن المنطقة تعرضت في نوفمبر 2023 لأحزمة نارية استهدفت المنازل التي احتمى بها الأطفال والنساء وكبار السن، ما أدى إلى استشهاد كل من كان داخلها.
وأشار إلى أن من بين الشهداء الذين انتُشلوا أربعين طفلًا، كثير منهم دون سن العاشرة، مؤكدًا أن فرق الإنقاذ لا تزال بحاجة ماسة إلى المعدات الثقيلة لاستكمال انتشال بقية الضحايا الذين ما زالوا تحت الأنقاض.
"أحفادي... زوجتي... أبنائي"... شهادة رجل فقد عائلته بأكملها لم يكن محمود الحساينة يتحدث عن أرقام، بل عن أفراد عائلته الذين تحولوا إلى أسماء على قوائم الشهداء.
فيقول إن المجزرة بدأت باستهداف منزل مختار العائلة، قبل أن تمتد إلى البيوت المجاورة، حيث لجأ السكان إلى منزل الوزير مفيد الحساينة، معتقدين أن وجوده أو صفته قد يمنحهم شيئًا من الأمان.
لكن الغارات لم تستثنِ أحدًا ويضيف بصوت مثقل بالحزن أن زوجته وأحفاده وابنه وأبناء إخوته وأبناء أخواته وعددًا كبيرًا من أقاربه قضوا جميعًا في تلك المجزرة.
ويؤكد أن انتشال جزء من الجثامين منح العائلة فرصة أخيرة لتكريمهم بالدفن، لكنه لا يمحو ألم فقدان من لا يزالون تحت الركام، داعيًا المجتمع الدولي إلى العمل من أجل وقف الحرب وإنهاء معاناة المدنيين.
اما الدكتور عامر أبو شريعة الذي ودّع 110 من أقاربه ، فاختصر شعوره بكلمات قليلة ،، قال إن مشاعره في هذا اليوم مختلطة بين الفرح والحزن ،، الفرح لأن العائلة استطاعت أخيرًا أن تواري أبناءها الثرى بعد سنوات من الانتظار ،، والحزن لأن المجزرة تتجدد في الذاكرة مع كل نعش يُحمل إلى المقبرة.
وأشار إلى أن من بين الضحايا 44 طفلًا لم يتجاوزوا الثانية عشرة من العمر، و37 امرأة، و23 رجلًا، إضافة إلى سبعة من ذوي الإعاقة، متسائلًا بأي ذنب قُتل هؤلاء.
وأكد أن الحرب، رغم الإعلان عن وقفها، ما زالت تترك آثارها على سكان غزة، الذين ما زالوا يعيشون نتائجها الإنسانية حتى اليوم.
جنازة تختصر مأساة غزة في ساحة التشييع، ارتفعت صور الشهداء وأسماؤهم فوق لافتات كبيرة، بينما اصطف آلاف المشيعين في موكب امتد لمسافات طويلة.
لم تكن النعوش وحدها هي التي سارت في الشوارع، بل سارت معها سنوات من الانتظار، وأمهات لم يصدقن أن أبناءهن عادوا أخيرًا، وآباء ظلوا يبحثون عن قبور يحتضنون فيها ذكريات أبنائهم.
وفي الوقت الذي وُوري فيه أكثر من مئة شهيد الثرى، ما تزال مئات العائلات في غزة تعيش القصة ذاتها، تبحث عن أحبائها بين الركام، وتنتظر يومًا تتمكن فيه من منحهم قبرًا يحمل أسماءهم.
انتهت الجنازة، وعادت الحشود إلى بيوتها، لكن الحكاية لم تنتهِ ، ففي غزة، لا يُقاس الزمن بعدد الأيام، بل بعدد المرات التي يؤجل فيها الوداع.
هناك، ما زالت الأنقاض تخفي أبناءً ينتظرون من يعثر عليهم، وأمهات يحفظن أسماءهم كما لو أنهم سيعودون بعد قليل، وآباء يزورون أماكن البيوت المهدمة بدلًا من زيارة القبور ، أما الذين شُيعوا اليوم، فقد احتاجوا أكثر من عامين ونصف ليصلوا إلى مثواهم الأخير.
وفي مدينة اعتادت أن تودع أبناءها كل يوم، بقي هذا الوداع مختلفًا... لأنه جاء متأخرًا إلى حدٍ جعل الحزن نفسه يبدو عاجزًا عن استيعاب حجمه.
مأساة مستمرة
ورغم انتهاء مراسم التشييع، فإن المأساة لم تنتهِ بالنسبة لعشرات العائلات التي ما تزال تنتظر انتشال بقية أبنائها من تحت الأنقاض.
ففي غزة، لا تتوقف آثار الحرب عند لحظة القصف، بل تمتد لسنوات، حيث تبقى الأنقاض شاهدة على قصص عائلات كاملة اختفت من السجل المدني، فيما يواصل الأهالي البحث عن رفات أحبائهم، على أمل أن يمنحوهم قبرًا يحمل أسماءهم، بعد انتظار امتد أكثر من عامين ونصف.
وبينما غادرت النعوش إلى المقبرة، بقيت الأنظار تتجه نحو الركام، حيث لا تزال عشرات الحكايات المدفونة تنتظر من يعثر عليها، لتكتمل فصول وداع لم ينتهِ بعد.





