أثار رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عددًا من البنود المتوافق عليها بشأن المرحلة المقبلة في قطاع غزة تساؤلات حول حقيقة الموقف الإسرائيلي، وما إذا كانت تصريحاته تعكس توجهًا فعليًا نحو التصعيد، أم تأتي في إطار الحسابات السياسية والحزبية الداخلية.
وقال المحلل والمختص بالشؤون الإسرائيلية شاكر شبات، في حديث لـ"اليوم الإخباري"، إن موقف نتنياهو الرافض للبنود الخمسة عشر التي جرى التوافق عليها بين الوسطاء، مصر وتركيا وقطر، إلى جانب المبعوثين الأميركيين، يحمل دلالات سياسية عدة، خصوصًا أن هذه التفاهمات حظيت بقبول الإدارة الأميركية، وعلى أساسها أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانتقال إلى مرحلة جديدة في قطاع غزة.
حسابات نتنياهو الداخلية
وأوضح شبات أن موقف نتنياهو يرتبط أولًا باعتبارات سياسية وأيديولوجية، في مقدمتها قضية الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، والأهداف التي تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى تحقيقها، إلى جانب إبقاء مسألة السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من القطاع وقضايا الاستيطان مطروحة على طاولة النقاش.
وأضاف أن العامل الثاني يتمثل في الحسابات الانتخابية، إذ يسعى نتنياهو إلى الحفاظ على تماسك معسكر اليمين، وتجنب منح وزراء مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير فرصة لمهاجمته واتهامه بالتراجع عن أهداف الحرب.
ويرى شبات أن التصريحات التصعيدية لنتنياهو قد تكون موجهة بالدرجة الأولى إلى الداخل الإسرائيلي، ولا تعكس بالضرورة ما يجري خلف الكواليس مع الإدارة الأميركية، مرجحًا أن تبقى التفاهمات العملية قائمة، رغم حدة الخطاب السياسي.
ترحيل الملفات إلى الحكومة المقبلة
وأشار شبات إلى أن نتنياهو يدرك أن استطلاعات الرأي لا تمنحه ضمانة لتشكيل الحكومة المقبلة، وهو ما قد يدفعه إلى ترحيل عدد من الملفات الشائكة إلى الحكومة القادمة.
وأوضح أن إعلان نتنياهو رفضه إقامة دولة فلسطينية أو ما وصفه بـ"حماسستان" يعبّر عن موقف سياسي واضح، لكنه في الوقت ذاته يترك هذه الملفات أمام الحكومة المقبلة لاتخاذ قرارات بشأنها.
كما يرى شبات أن إبقاء عدد من الجبهات في حالة توتر، سواء في غزة أو لبنان أو في المواجهة مع إيران، قد يوفر لنتنياهو أوراقًا سياسية وأمنية يمكن توظيفها في المعركة الانتخابية.
إرباك للعلاقة مع ترامب والوسطاء
وحذر شبات من أن استمرار نتنياهو في رفض بعض التفاهمات قد يسبب إرباكًا للإدارة الأميركية، خاصة إذا انتقلت التصريحات السياسية إلى خطوات ميدانية تتعارض مع الاتفاقات التي شارك في صياغتها الوسطاء والمبعوثون الأميركيون.
وأشار إلى أن أي تراجع عن التفاهمات سيضع مصر وتركيا وقطر وبقية الوسطاء أمام اختبار صعب، خصوصًا بعد الضغوط التي بذلوها لدفع الأطراف نحو تنفيذ الاتفاق والانتقال إلى مراحله التالية.
هل تعود إسرائيل إلى حرب واسعة؟
وفيما يتعلق باحتمال عودة إسرائيل إلى حرب واسعة في قطاع غزة، استبعد شبات في المرحلة الحالية انتقال إسرائيل إلى عملية برية كبيرة، لكنه لم يستبعد تصعيدًا محدودًا.
ورجح أن يكون السيناريو الأقرب هو العودة إلى القصف الموضعي والاغتيالات والضربات المحددة، على غرار ما كان يحدث قبل التفاهمات الأخيرة، فيما لا يبدو التوغل البري وتحريك الدبابات والآليات إلى مناطق جديدة غرب "الخط الأصفر" مرجحًا في الوقت الحالي.
المؤسسة العسكرية عامل كبح
ويرى شبات أن المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية قد تشكل عامل كبح أمام أي اندفاع سياسي نحو تصعيد واسع، خصوصًا إذا خلصت إلى أن عملية عسكرية جديدة لن تحقق أهدافًا سياسية واضحة، وستعيد إسرائيل إلى مواجهة مفتوحة دون نتائج قابلة للتحقق.
وأضاف أن استمرار العمليات المحدودة، مثل الاغتيالات والقصف والضربات الموضعية، يظل ممكنًا، حتى في حال عدم العودة إلى حرب برية شاملة.
وفي قراءته لتصريحات الجيش الإسرائيلي، يعتقد شبات أن المؤسسة العسكرية تحاول إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن العملية العسكرية حققت أهدافها من الناحية العسكرية، وأن التصعيد الجديد قد يقود إلى حرب برية لا تضمن تحقيق مكاسب سياسية.
وخلص شبات إلى أن التباين بين المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية والأمنية في إسرائيل لا يزال قائمًا، إذ يتحرك نتنياهو تحت ضغط الحسابات السياسية والانتخابية، بينما تنظر المؤسسة العسكرية إلى أي تصعيد جديد من زاوية أمنية واستراتيجية، ما يجعل العودة إلى حرب واسعة في غزة أقل ترجيحًا في المرحلة الحالية، مع بقاء احتمالات التصعيد المحدود قائمة.