خاص: ثلاث سنوات من الحرب والاقتلاع وذاكرة لا تنطفئ

غزة بعد 7 أكتوبر..

خاص: ثلاث سنوات من الحرب والاقتلاع وذاكرة لا تنطفئ

2026/10/06 الساعة 08:55 م
خاص: ثلاث سنوات من الحرب والاقتلاع وذاكرة لا تنطفئ

خاص اليوم الإخباري

ثلاث سنوات تبدو طويلة في حساب الزمن، لكنها في غزة تحولت إلى ذاكرة مثقلة بأيام القصف والنزوح والجوع والفقدان.

فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تغيّرت ملامح القطاع، وتبدلت حياة سكانه بصورة طالت تفاصيلهم اليومية، من البيت والمدرسة والمستشفى، إلى الخيمة ومراكز الإيواء وطوابير المياه والغذاء.

ومع مرور الشهور والسنوات، لم تعد آثار الحرب محصورة في الخسائر المباشرة، بل امتدت إلى التعليم والصحة والغذاء والمياه والسكن، لتصبح الحياة نفسها بالنسبة إلى كثير من السكان معركة يومية من أجل البقاء.

من 7 أكتوبر إلى النزوح.. بيت يُترك وخيمة تُنصب

في الأيام الأولى للحرب، بدأت موجات النزوح تتسع من مناطق مختلفة في القطاع. ومع أوامر الإخلاء والعمليات العسكرية، غادرت عائلات منازلها وهي تحمل ما استطاعت من حاجياتها، على أمل العودة بعد انتهاء الخطر.

لكن العودة تأخرت، وفي حالات كثيرة لم يعد المنزل قائمًا أصلًا.

ومع استمرار الحرب، تحول النزوح من حدث طارئ إلى نمط حياة؛ فالعائلات تنقلت بين المدارس ومراكز الإيواء والمناطق المفتوحة والخيام، وفي كل مرة كانت تعيد ترتيب ما تبقى من حياتها في مساحة جديدة.

وتشير أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن نحو 279 ألف شخص يعيشون في 400 موقع نزوح معرضة للفيضانات أو في مبانٍ غير آمنة، فيما لا يزال أكثر من 2,300 مبنى غير آمن مأهولًا.

كما حُدد 217 موقع نزوح معرضًا بدرجة متوسطة أو مرتفعة للفيضانات، ويؤوي نحو 235 ألف شخص، مع اقتراب موسم الأمطار.

وهكذا، أصبحت تفاصيل بسيطة في الحياة الطبيعية، مثل سقف يحمي الأسرة من المطر أو سرير ينام عليه الطفل، احتياجات أساسية يصعب توفيرها لكثير من العائلات.

73 ألف شهيد و173 ألف جريح.. أرقام تختصر سنوات من الفقد

وخلف هذا المشهد الإنساني، جاءت الخسائر البشرية الأكبر.

فبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة التي نقلتها مجموعة الصحة والأونروا، بلغ عدد الفلسطينيين الذين أُبلغ عن مقتلهم في القطاع 73,231 شخصًا، فيما بلغ عدد المصابين 173,686 شخصًا، خلال الفترة من 7 أكتوبر 2023 وحتى 12 يوليو/تموز 2026.

ولا تختصر هذه الأرقام وحدها حجم الخسارة؛ فخلف كل رقم عائلة فقدت شخصًا أو أكثر، وطفل فقد أحد والديه، وأم تنتظر ابنًا لن يعود، وجرحى يعيشون بإصابات قد تترك آثارًا دائمة على حياتهم.

وفي موازاة ذلك، بقي ملف المفقودين واحدًا من أكثر الملفات الإنسانية قسوة، إذ تعيش آلاف العائلات حالة من عدم اليقين بشأن مصير أقاربها.

وأعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها وثقت أكثر من 1,200 حالة مفقود جديدة خلال النصف الأول من عام 2026، فيما تلقت أكثر من 16,900 استفسار من عائلات تبحث عن معلومات عن أحبائها.

أما الأسرى والمعتقلون، فبقوا جزءًا آخر من المشهد الإنساني الذي خلفته الحرب، مع استمرار عائلات فلسطينية في البحث عن معلومات حول مصير أقاربها المحتجزين.

ركام في الشوارع.. وبيوت تحولت إلى أنقاض

وبالتوازي مع الخسائر البشرية، خلّفت الحرب دمارًا واسعًا في البنية العمرانية للقطاع.

ووفق أحدث تقييم بالأقمار الصناعية أجراه مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT)، حتى 16 يونيو/حزيران 2026، تعرض 201,290 مبنى، أي نحو 82% من إجمالي مباني غزة، للضرر، بينها 134,422 مبنى دُمر بالكامل، فيما بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة نحو 328,627 وحدة.

ولم يقتصر أثر الدمار على فقدان المنازل، بل امتد إلى أماكن العمل والخدمات والمحال والمدارس ومختلف مقومات الحياة التي كانت تربط السكان بأحيائهم.

وفي ظل محدودية البدائل، اضطرت بعض الأسر إلى السكن بالقرب من مبانٍ متضررة أو حتى داخل بعضها، فيما تشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 2,300 مبنى غير آمن ما زال مأهولًا، ويقطنه قرابة 44 ألف شخص.

الجوع في الخيام.. معركة يومية

وكان الجوع وجهًا آخر من وجوه الحرب، إذ تراجعت قدرة السكان على توفير الغذاء بصورة منتظمة، وأصبحت الوجبات والمياه والمواد الأساسية جزءًا من المساعدات التي تعتمد عليها أعداد كبيرة من العائلات.

ومع استمرار الأزمة، حذرت الأمم المتحدة من أن نقص التمويل سيؤدي إلى انخفاض كبير في إنتاج الوجبات الساخنة وتوزيع الطرود الغذائية الشهرية.

وبذلك، لم يعد توفير وجبة يومية أو مياه صالحة للشرب أمرًا اعتياديًا، بل تحول إلى تحدٍ يرافق العائلات في أماكن النزوح ومختلف مناطق القطاع.

مدارس بلا طلاب.. جيل خارج الفصول

ولم يكن الأطفال بعيدين عن آثار الحرب، إذ وجد مئات الآلاف منهم أنفسهم خارج المدارس لفترات طويلة، فيما انتقل بعضهم إلى مساحات تعليم مؤقتة بدل الفصول الدراسية المعتادة.

ووفق اليونيسف، حُرم نحو 700 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عامًا من التعليم الحضوري الرسمي لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية.

كما تضرر نحو 98% من مباني المدارس، فيما يحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل كبير أو إعادة بناء كامل.

ولم تكن خسارة التعليم مجرد انقطاع عن الكتب والامتحانات، بل فقدان مساحة كان من المفترض أن تمنح الطفل الاستقرار والروتين والأمان.

ومع إطلاق برامج التعليم المؤقت، حاولت المؤسسات الإنسانية إعادة الأطفال إلى مسار التعلم، إلا أن حجم الاحتياج ظل أكبر من قدرة المساحات المتاحة على استيعاب جميع الأطفال.

ثلاث سنوات.. وذاكرة لا تنطفئ

بعد ثلاث سنوات، لا تختصر حكاية غزة في تاريخ بدأ في 7 أكتوبر وانتهى في يوم آخر.

إنها سنوات تراكمت خلالها الخسائر؛ عشرات الآلاف من القتلى، ومئات الآلاف من الجرحى، ومفقودون لا تعرف عائلاتهم مصيرهم، وأسرى تنتظر عائلاتهم أخبارهم، ومنازل تحولت إلى ركام، وأسر تعيش في الخيام، وأطفال أمضوا سنوات من طفولتهم بعيدًا عن مدارسهم.

وبينما تستطيع الأرقام توثيق حجم الكارثة، فإنها لا تستطيع وحدها نقل معنى أن يعيش الإنسان سنوات وهو يبحث عن بيت آمن، ووجبة تكفي أطفاله، وماء صالح للشرب، أو خبر يطمئنه على غائب.

وفي غزة، بقيت ذاكرة 7 أكتوبر وما تلاها محفورة في تفاصيل الحياة اليومية؛ في البيوت والطرقات والخيام، وفي حياة جيل كامل يحاول أن يتعلم من جديد كيف يعيش.