من عتمة الزنازين إلى قيادة حماس.. رحلة انتهت بالشهادة على أرض غزة

يحي السنوار..

من عتمة الزنازين إلى قيادة حماس.. رحلة انتهت بالشهادة على أرض غزة

2026/10/17 الساعة 01:17 ص
من عتمة الزنازين إلى قيادة حماس.. رحلة انتهت بالشهادة على أرض غزة

من مخيم خان يونس للاجئين جنوب قطاع غزة، انطلقت حكاية يحيى إبراهيم السنوار، الذي تنقّل خلال أكثر من ستة عقود بين محطات اللجوء والتعليم والعمل التنظيمي والاعتقال، قبل أن يتبوأ قيادة حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، ويصبح أحد أبرز الشخصيات المحورية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وبين سنوات السجن الطويلة والعودة إلى القطاع وتدرّجه في المواقع القيادية، ارتبط اسمه بتحولات سياسية وعسكرية بارزة، وصولًا إلى عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والحرب الإسرائيلية التي أعقبتها، وانتهت باستشهاده في رفح في أكتوبر/تشرين الأول 2024.

وتكشف سيرة السنوار عن مسار تداخلت فيه التجربة الشخصية مع التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية؛ فمن النشأة في مخيم للاجئين، إلى الاعتقال والحكم بالسجن المؤبد، ثم الإفراج ضمن صفقة تبادل الأسرى، وصولًا إلى رئاسة المكتب السياسي للحركة. وفي المقابل، ظل اسمه حاضرًا في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، خصوصًا بعد هجوم السابع من أكتوبر، الذي حمّلته إسرائيل مسؤولية التخطيط له، وأعقبه عدوان واسع على قطاع غزة خلّف كارثة إنسانية ودمارًا غير مسبوقين.

النشأة والدراسة.. من مخيم خان يونس إلى العمل التنظيمي

وُلد يحيى إبراهيم السنوار في 19 أكتوبر/تشرين الأول 1962، في مخيم خان يونس جنوب قطاع غزة، لعائلة فلسطينية تعود أصولها إلى مدينة المجدل، التي هُجّرت منها خلال حرب عام 1948. ونشأ في بيئة اللجوء داخل القطاع، حيث تلقى تعليمه الأساسي والثانوي، قبل أن يلتحق بالجامعة الإسلامية في مدينة غزة، ويتخرج فيها حاصلًا على درجة البكالوريوس في اللغة العربية.

وخلال سنوات دراسته الجامعية، برز السنوار في النشاط الطلابي المرتبط بالتيار الإسلامي، وتولى مواقع في مجلس الطلبة والكتلة الإسلامية، ما أسهم في بناء علاقاته التنظيمية والسياسية. ومع تصاعد نشاطه، ارتبط بالشيخ أحمد ياسين، أحد مؤسسي حركة "حماس"، التي تأسست عام 1987 بالتزامن مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

وفي تلك المرحلة، اتجه السنوار إلى العمل الأمني والتنظيمي، وارتبط اسمه بتأسيس جهاز "المجد" الأمني، الذي عمل على ملاحقة أشخاص اتُّهموا بالتعاون مع إسرائيل. وقد أسهم هذا النشاط في ترسيخ موقعه داخل البنية التنظيمية للحركة، قبل أن يتعرض للاعتقال عدة مرات خلال ثمانينيات القرن الماضي.

وفي عام 1988، اعتقلته السلطات الإسرائيلية، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد أربع مرات، على خلفية قضايا مرتبطة بعمليات ضد إسرائيليين وقتل فلسطينيين اتُّهموا بالتعاون مع إسرائيل. وشكّل ذلك بداية مرحلة طويلة من الاعتقال، امتدت لأكثر من عقدين، وأصبحت إحدى أبرز المحطات التي طبعت مسيرته اللاحقة.

22 عامًا خلف القضبان.. صفقة شاليط تفتح طريق العودة

أمضى السنوار أكثر من عشرين عامًا في السجون الإسرائيلية، متنقلًا بين عدد منها، وقضى فترات في العزل الانفرادي. وخلال تلك السنوات، عزز حضوره بين الأسرى الفلسطينيين، وشارك في التحركات المطلبية داخل السجون، كما تعلم اللغة العبرية واطّلع على الصحافة والشؤون السياسية الإسرائيلية، ما أتاح له متابعة تطورات المشهد السياسي والأمني.

كذلك، ارتبطت تجربته داخل السجن بكتابته رواية "الشوك والقرنفل"، التي تناولت محطات من التاريخ الفلسطيني وتجربة الصراع، مستندة إلى جوانب من الواقع الاجتماعي والسياسي الذي عاشه الفلسطينيون. ومع مرور الوقت، أصبح السنوار من الشخصيات البارزة بين الأسرى المنتمين إلى "حماس"، واحتفظ بمكانة تنظيمية مهدت لعودته إلى مواقع القيادة بعد الإفراج عنه.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2011، أُفرج عن السنوار ضمن صفقة تبادل الأسرى بين "حماس" وإسرائيل، التي أُطلق بموجبها سراح 1027 أسيرًا فلسطينيًا مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. وشكّلت الصفقة منعطفًا مهمًا في مسيرته؛ إذ عاد إلى قطاع غزة بعد سنوات طويلة من الاعتقال، ليبدأ مرحلة جديدة من العمل السياسي والتنظيمي داخل الحركة.

وعقب الإفراج عنه، انتُخب السنوار عام 2012 عضوًا في المكتب السياسي لـ"حماس"، وتنامى نفوذه داخل أطرها القيادية، قبل انتخابه رئيسًا للحركة في قطاع غزة عام 2017، خلفًا لإسماعيل هنية. ومع توليه هذا المنصب، أصبح أحد أبرز صناع القرار في الحركة، وارتبط اسمه بإدارة ملفات سياسية وأمنية وعسكرية خلال مرحلة شهدت جولات متكررة من المواجهة مع إسرائيل.

من قيادة غزة إلى "طوفان الأقصى".. والاستشهاد في رفح

مع صعوده إلى قيادة الحركة في قطاع غزة، أصبح السنوار من أبرز الشخصيات التي تابعتها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ولا سيما مع تصاعد المواجهات العسكرية. وفي عام 2015، أدرجته الولايات المتحدة على قائمة الإرهابيين العالميين المصنفين تصنيفًا خاصًا، فيما واصلت إسرائيل اعتباره أحد أبرز أهدافها الأمنية والعسكرية.

وخلال الأعوام التي سبقت حرب عام 2023، ظل السنوار حاضرًا في المشهد السياسي والأمني، بالتزامن مع جولات متكررة من التصعيد في القطاع، كان أبرزها المواجهة التي شهدها عام 2021. وعلى الرغم من ظهوره العلني في مناسبات محددة، اتسمت تحركاته بالسرية، فيما بقي موقعه داخل قيادة الحركة موضع اهتمام ومتابعة إسرائيلية مستمرة.

وفي السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، شنت كتائب القسام وفصائل فلسطينية أخرى هجومًا أطلقت عليه اسم "طوفان الأقصى"، أدى إلى السيطرة على مواقع عسكرية إسرائيلية ومستوطنات في غلاف غزة، وأسفر عن مقتل نحو 1200 شخص في إسرائيل، وأسر نحو 250 شخصًا ونقلهم إلى قطاع غزة، وفق الأرقام التي أعلنتها السلطات الإسرائيلية. وشكّل الهجوم نقطة تحول مفصلية في مسار الصراع، إذ أعقبه عدوان إسرائيلي واسع على القطاع، امتدت آثاره إلى مختلف مناحي الحياة الفلسطينية.

وخلال الحرب، حمّلت إسرائيل السنوار مسؤولية التخطيط للهجوم، وواصلت عمليات البحث عنه واستهدافه. وفي أغسطس/آب 2024، اختير رئيسًا للمكتب السياسي لـ"حماس"، خلفًا لإسماعيل هنية، الذي استُشهد في طهران في 31 يوليو/تموز من العام نفسه، ليصبح السنوار صاحب أعلى منصب سياسي داخل الحركة في مرحلة تصاعدت فيها العمليات العسكرية واستهداف القيادات.

وفي 17 أكتوبر/تشرين الأول 2024، أعلنت إسرائيل استشهاد السنوار خلال اشتباك مع قواتها في منطقة تل السلطان بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، عقب عملية عسكرية قالت إنها لم تكن مخططة مسبقًا لاستهدافه تحديدًا. وفي اليوم التالي، أكدت "حماس" ارتقاءه شهيدًا على أرض المعركة، بعد إعلان إسرائيل نتائج الفحوصات التي أكدت هويته.

وجاء استشهاده في ظل حرب تسببت في كارثة إنسانية واسعة في قطاع غزة؛ إذ تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين 70 ألفًا وفق الحصائل المعلنة في مراحل لاحقة من الحرب، إلى جانب مئات الآلاف من الجرحى، وآلاف المفقودين والأسرى، فضلًا عن الدمار الواسع الذي طال المباني والبنية التحتية ومرافق الحياة الأساسية. كما أشارت تقديرات وتقارير إلى أن الدمار طال أكثر من 90% من القطاع وفق بعض التقييمات، فيما قُدّرت المساحات الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية بنحو 60% من مساحة القطاع في مراحل من الحرب، مع اختلاف النسب بحسب الفترة الزمنية ومعايير احتساب المناطق.

وبذلك، انتهت رحلة السنوار في القطاع الذي نشأ فيه، بعد مسار امتد لأكثر من ستة عقود، تنقّل خلاله بين مخيمات اللجوء والسجون ومواقع القيادة السياسية. غير أن استشهاده لم يُنهِ الحرب على غزة، التي استمرت تداعياتها الإنسانية والعمرانية في ظل الخسائر البشرية والدمار والنزوح، فيما بقي مستقبل القطاع ومسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من أبرز القضايا التي فرضتها تلك المرحلة.

f56ab23a-2e23-4af1-8244-2ef065161148.jpeg