خاص اليوم الإخباري/ نضال أبو شربي
لم يكن محمد حجيلة، ذو الأربعة أعوام، يعرف معنى القصف ولا مدرسة الإيواء، ولا لماذا تحوّل المكان الذي لجأت إليه عائلته بحثًا عن الأمان إلى ساحة نار.
في لحظة واحدة، سُرقت طفولته، واحترق جسده الصغير، وأصبح يحمل على وجهه قناعًا بلاستيكيًا لا يفارقه، كأن الزمن قرر أن يترك أثره القاسي عليه مبكرًا جدًا.
إصابات خطيرة وعناية مركزة
قبل عام ونصف، أثناء استهداف مدرسة الإيواء مصطفى حافظ، أُصيب الطفل محمد بجروح بالغة وحروق من الدرجة الثالثة، طالت مناطق حساسة من جسده، أبرزها الصدر والبطن والقدمين ووجهه الصغير الذي لم يكتمل بعد.
نُقل محمد إلى العناية المركزة، حيث مكث أكثر من 14 يومًا بين الحياة والموت تحت أجهزة التنفس، قبل أن يعلن الأطباء نجاته. لكن نجاته لم تكن نهاية المعاناة، بل بدايتها.
بين الحروق والنسيج الوحشي
بعد خروجه من المستشفى، ظهرت على جسد محمد مضاعفات خطيرة، أبرزها تكوّن النسيج الوحشي في منطقة الوجه، ما استدعى استخدام قناع بلاستيكي ضاغط، يُجبر الطفل على ارتدائه لفترات طويلة تتراوح بين ساعة أو ساعتين يوميًا في المراحل الأولى، وصولًا إلى نحو 20 ساعة يوميًا في مراحل العلاج المتقدمة.
القناع ثقيل على وجه طفل لا يفهم سبب ارتدائه، ولا يستطيع اللعب بحرية كبقية الأطفال، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وصعوبة تحمّل القناع.
انقطاع العلاج وغياب المتابعة
كانت مؤسسة أطباء بلا حدود الجهة الطبية الوحيدة التي تتابع حالة محمد وتشرف على علاجه المعقد، إلا أن إعلان الاحتلال إغلاق كافة المؤسسات الدولية في غزة وضع الطفل فجأة بلا متابعة طبية أو بدائل، في وقت لا يحتمل فيه جسده الصغير أي توقف عن العلاج.
اليوم، يعيش محمد مع والديه وشقيقه، محاطًا بالخوف من تفاقم حالته، في ظل غياب أي تدخل طبي متخصص أو إمكانية لاستكمال علاجه داخل القطاع.
التنمر… جرح لا يُرى
لم تتوقف معاناة محمد عند الألم الجسدي، بل امتدت إلى محيطه الاجتماعي. يتعرض الطفل للتنمر من الأطفال الآخرين بسبب شكل وجهه والقناع الذي يرتديه، ما انعكس بشكل مباشر على حالته النفسية.
بعد حادثة الاستهداف، فقد محمد القدرة على النطق، ولم يعد يستطيع الكلام، في صمتٍ يختزن داخله خوفًا وألمًا أكبر من عمره. كما يعاني من حكة شديدة ومستمرة بسبب النسيج الوحشي، تزيد من معاناته اليومية وتضعه في حالة انزعاج دائم.
تقول والدته، شيماء حجيلة: "ابني اتحرق وهو نائم في مدرسة قالوا إنها آمنة… شفته بعيني وهو بالعناية، جسده كله محروق، ووجهه تغير، ومحمد اليوم مش نفس محمد قبل. القناع صار جزء من حياته، يلبسه 20 ساعة باليوم، وهو طفل، مش مقتنع فيه، يتعب ويبكي، خصوصًا مع الحر، بس ما عنا خيار."
وعن توقف العلاج، تضيف: "أطباء بلا حدود كانوا الوحيدين اللي متابعين حالته، وبعد الإغلاق ضاع ابني، ما في طبيب مختص، ولا متابعة، ولا أمل إلا السفر."
وتختم والدته بنداء: "محمد بدو يعيش، بدو يرجع طفل، بدو علاج برا غزة قبل ما تتفاقم حالته أكتر."
طفل يحمل آثار الجريمة وصمت العالم
محمد حجيلة ليس رقمًا في سجل المصابين، ولا صورة عابرة لحرب طويلة، بل طفل يحمل على وجهه آثار جريمة، وعلى جسده معركة مستمرة مع الألم، وعلى روحه صمت ثقيل.
قناعه ليس علاجًا فقط، بل شاهد على عجز العالم، وصمته نداء مفتوح لإنقاذ ما تبقى من طفولة تُحرق ببطء، مطالبة عائلته بالسفر للعلاج ليس رفاهية، بل حق في الحياة.



