خاص اليوم الإخباري | نضال أبو شربي
في زمنٍ تُقصف فيه المستشفيات قبل البيوت، وتُغلق فيه الطرق أمام سيارات الإسعاف، لا تتوقف الحياة عن طرق الأبواب.
في غزة، يولد الأطفال على أصوات القصف، لا في غرفٍ معقّمة، بل في خيامٍ مهترئة، أو منازل مدمّرة، أو ممرات ضيقة بلا كهرباء ولا ماء.
هنا، تتحول الولادة من لحظة فرح منتظرة إلى معركة بقاء، تخوضها الأم وحدها بجسدٍ منهك وقلبٍ مرتجف، في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الإنسانية.
ولادة تحت ضوء الهاتف
تقول القابلة منال محمد، التي تعمل متطوعة في أحد مستشفيات مدينة غزة: “أحيانًا أُجري الولادة على ضوء الهاتف، بلا أدوية مسكنة، ولا معدات تعقيم كافية. الخطر يحيط بالأم والطفل، لكن لا خيار آخر”.
وتؤكد منال أن الألم لا يقتصر على معاناة النساء أثناء المخاض فقط، بل يتضاعف بسبب سوء التغذية، وفقر الدم، والضغط النفسي الشديد. فالخوف من فقدان الجنين، أو حدوث نزيف دون إمكانية إسعاف، يحوّل لحظات الولادة إلى ساعات رعب حقيقية.
الولادة في الخيام
وتروي آمنة (28 عامًا) تجربتها قائلة: “أنجبت طفلي في خيمة للنازحين. كنت أسمع القصف قريبًا، ولا يوجد طبيب. كنت أخشى أن أموت ويكبر طفلي يتيمًا منذ لحظته الأولى”.
أطفال يولدون في حضن الخطر
الأطفال الذين يولدون في هذه الظروف يواجهون منذ اللحظة الأولى نقصًا حادًا في الحاضنات، والأدوية، والتطعيمات، ما يعرّضهم لمضاعفات صحية خطيرة، كما أن بعضهم لا يُسجَّل رسميًا، بسبب عدم قدرة الأهالي على الوصول إلى المؤسسات المختصة.
أمهات يلدن وحدهن
في الظروف الطبيعية، تحاط المرأة أثناء الولادة بعائلتها، لكن الحرب فرّقت العائلات واستشهد كثير من الأزواج، لتجد بعض النساء أنفسهنّ يلدن وحيدات، يحملن الألم والمسؤولية معًا في صمتٍ ثقيل.
تقول سمر (35 عامًا)، أرملة وأم لخمسة أطفال، استشهد زوجها خلال النزوح من شمال غزة: “وضعت مولودي وأنا أفكر: كيف سأطعمه؟ كيف سأحميه؟ حتى الحليب أصبح حلمًا”.
شهادات من الميدان
تقول أم لينا محمد (32 عامًا)، نازحة من شمال غزة: “جاءني المخاض ليلًا، لم يكن هناك طريق للمستشفى، والقصف كان متواصلًا”.
وتضيف: “وضعت طفلتي على الأرض داخل الغرفة، بلا سرير ولا إضاءة. كنت أصرخ من الألم وأكتم صوتي خوفًا على أطفالي الآخرين. عندما سمعت بكاء طفلتي، بكيت معها، ليس فرحًا فقط، بل لأننا نجونا”.
وفي السياق ذاته، تقول قابلة قانونية تعمل ميدانيًا: “نواجه حالات خطيرة جدًا؛ نزيف حاد، ولادات مبكرة، ولا توجد مستلزمات. أحيانًا نضطر لاستخدام أدوات غير مخصصة طبيًا”.
وتضيف: “أكثر ما يؤلمني أنني أخرج من بعض الحالات وأنا أعلم أن الأم أو الطفل بحاجة لرعاية لا أستطيع توفيرها”.
آثار الحرب على صحة الأمهات
تشير الطواقم الطبية إلى أن الحرب رفعت نسبة الولادات القيصرية الطارئة، وحالات الإجهاض، والولادات المبكرة، فالضغط النفسي وسوء التغذية لهما تأثير مباشر على صحة الأمهات والمواليد في ظل ظروف لا تصلح لأي عمل طبي، ومع ذلك يحاول العاملون إنقاذ الأرواح بما يتوفر لديهم من إمكانيات محدودة.
أمومة بعد الفقد
تقول مريم (25 عامًا)، زوجة شهيد: “أنجبت طفلي بعد استشهاد والده بأيام. كنت أضعه على صدري وأقول له: والدك استشهد ليحميك. لم أشعر بالأمان، لكنني شعرت أن طفلي أمانة يجب أن أتمسك بها مهما كانت الظروف”.
نداء إنساني
تقول ناشطة صحية تعمل مع إحدى المنظمات الإغاثية: “نحاول توفير حقائب ولادة طارئة، لكنها لا تكفي أمام الأعداد الكبيرة. ما يحدث انتهاك واضح لحق النساء في الرعاية الصحية الآمنة، ونخشى من ارتفاع وفيات الأمهات والمواليد إذا استمر الوضع على ما هو عليه”.
تعكس هذه الشهادات حجم المأساة التي تعيشها النساء الحوامل في زمن الحرب، حيث تتحول الولادة من حدث طبيعي إلى تجربة قاسية محفوفة بالمخاطر.
أصوات الأمهات والقابلات ليست مجرد روايات فردية، بل صرخة جماعية تطالب بالحق في الحياة، والرعاية، والأمان.
في غزة، لا يُولد الأطفال فقط، بل تولد معهم قصص صمود لا تُروى كاملة.
أمهات ينجبن الحياة في أقسى الظروف، متحديات القصف والجوع والخوف، ليقلن للعالم إن الحياة أقوى من الحرب، لكن ثمنها هنا فادح.