تتجه الأنظار إلى مدينة رفح جنوب قطاع غزة، مع تداول صور في وسائل إعلام إسرائيلية قيل إنها توثق وصول قوات أميركية إلى المنطقة وبدء تجهيز مواقع لها، في خطوة تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة مهمتها، وما إذا كانت هذه التحركات تمثل بداية فعلية لنشر قوة الاستقرار الدولية، أم أنها لا تزال في إطار التحضيرات الأولية.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه عدة ملفات تحول دون الانتقال الكامل من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ على الأرض، أبرزها مسألة الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وآلية التعامل مع ملف السلاح، إلى جانب تشكيل قوة الاستقرار الدولية ودخولها إلى القطاع، وبدء عمل اللجنة الوطنية التكنوقراطية المعنية بإدارة المرحلة المقبلة.
الانسحاب.. العقبة الأبرز
يرى الكاتب السياسي والباحث الأمني المختص بالشأن الفلسطيني، هلال نصار، أن الاتجاه العام نحو إقامة مناطق آمنة ومراكز إيواء وتوفير الخدمات الأساسية للسكان يمثل تطورًا إيجابيًا، إلا أن تنفيذ هذه الترتيبات يبقى مرتبطًا بشكل أساسي بالانسحاب الإسرائيلي.
وقال نصار لـ"اليوم الإخباري" إن عدم حدوث انسحاب تدريجي يعني غياب أي إنجاز ميداني حقيقي، مشيرًا إلى أن ملف السلاح، سواء تعلق بتسليمه أو تخزينه، لا يزال إحدى أبرز القضايا العالقة في المفاوضات.
وأضاف أن دخول قوة الاستقرار الدولية واللجنة الوطنية التكنوقراطية يمثلان عنصرين أساسيين للانتقال إلى مرحلة التنفيذ، لافتًا إلى أن بعض الدول المطروحة للمشاركة في القوة الدولية تربط دخولها ببدء الانسحاب الإسرائيلي.
وبحسب نصار، فإن التحركات الحالية قد تشكل جزءًا من ضغوط سياسية وإعلامية على الأطراف المعنية لدفعها نحو تنفيذ التزاماتها، إلا أن الواقع الميداني لم يصل بعد إلى مرحلة الانتشار الكامل للقوة الدولية أو بدء عملية إعادة الإعمار بصورة واسعة.
قوات محدودة وإعمار ينتظر الانطلاق
وأشار نصار إلى أن دخول أعداد محدودة من العناصر الدولية، وفق المعلومات المتداولة، لا يكفي لتنفيذ مهمة الاستقرار في قطاع غزة، بالنظر إلى حجم الدمار واتساع المناطق التي تحتاج إلى تأمين وإعادة تأهيل.
كما لفت إلى أن الآليات الثقيلة ومعدات إزالة الركام وإعادة الإعمار لم تدخل حتى الآن بالوتيرة المطلوبة، رغم استعداد أطراف عدة للمشاركة في هذه العملية.
وبحسب نصار، تأتي رفح في مقدمة المناطق المرشحة لاحتضان المرحلة الأولى من هذه الترتيبات، على أن تمتد لاحقًا إلى مناطق أخرى في القطاع، وفقًا للتطورات الأمنية والسياسية ومدى قدرة الأطراف على تنفيذ الخطوات المتفق عليها.
بين البحث عن الأمان والتمسك بالعودة
وبعيدًا عن الحسابات السياسية والأمنية، يضع سكان غزة احتياجاتهم اليومية في مقدمة أولوياتهم، وفي مقدمتها الأمن والسكن والتعليم والرعاية الصحية.
وقال المواطن عبد الله أحمد لـ"اليوم الإخباري" إن الانتقال إلى منطقة إنسانية يمكن أن يكون خيارًا مقبولًا بالنسبة له، شرط أن تكون آمنة فعلًا وأن تتوفر فيها الخدمات الأساسية.
وأضاف: "إذا كانت المنطقة يتوفر فيها الأمن والتعليم والصحة، ولا يوجد فيها نزاع أو قتل، فأنا مستعد للذهاب والعيش فيها. الناس تريد مكانًا آمنًا تستطيع فيه حماية أطفالها والعيش بصورة طبيعية".
لكن فكرة المناطق الآمنة لا تحظى بالضرورة بالموقف ذاته لدى جميع السكان؛ فبينما يرى فيها البعض فرصة للابتعاد عن الحرب والدمار، يتمسك آخرون بالعودة إلى مناطقهم الأصلية وبيوتهم وأراضيهم، ويرفضون أن تتحول المناطق الآمنة إلى بديل دائم عن العودة.
رفح.. اختبار أول للمرحلة الجديدة
وتشير التصورات المطروحة للمرحلة المقبلة إلى تنفيذ الترتيبات بشكل تدريجي، بدءًا من رفح، قبل الانتقال إلى مناطق أخرى في جنوب ووسط وشمال قطاع غزة.
لكن الانتقال من مرحلة إلى أخرى يبقى مرهونًا بتحقيق خطوات أساسية، في مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، ودخول قوة الاستقرار الدولية، وبدء عمل اللجنة الوطنية التكنوقراطية، إلى جانب توفير الظروف اللازمة لعودة الخدمات وانطلاق عملية إعادة الإعمار.
وبينما تعكس الصور المتداولة تحركات أولية في محيط رفح، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرة هذه الترتيبات على التحول إلى واقع ملموس، يضمن الأمن للسكان ويمهد الطريق أمام إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية.
ففي قطاع أنهكته الحرب والدمار، لا ينتظر السكان مجرد انتشار قوات أو إقامة مواقع جديدة، بل نتائج ملموسة على الأرض: أمنًا فعليًا، وخدمات أساسية، ووقفًا للقتل، ومسارًا واضحًا نحو العودة والإعمار.