خاص اليوم الإخباري/ رائد أبو سرية
داخل خيمة نزوح لا تقي حرّ الصيف ولا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة، تتمدد الطفلة ذات العشرين يومًا بين ذراعي والدتها، بينما تغطي الفقاعات المائية جسدها الصغير، لم تكن الرضيعة تالا أبو غالي قد أكملت أسبوعها الثالث من الحياة فحسب ، بل وجدت نفسها في مواجهة أول معركة مع المرض ، في مشهد يلخص جانبًا من الأزمة الصحية المتفاقمة داخل مخيمات النزوح جنوب قطاع غزة.
وسط الخيام المكتظة، حيث يعيش،،،،، مئات النازحين داخل المساحات الضيقة، والتي تبدو العدوى أسرع من القدرة على احتوائها، فيما يواجه الأطفال الرضع خطر الإصابة بالأمراض المعدية في ظل غياب بيئة صحية آمنة، وشح المياه النظيفة، ونقص الخدمات الطبية.
من الأم إلى رضعيتها ،،،العدوى تعبر الخيمة
تروي والدة تالا بداية معاناتها قائلة: قبل نحو شهر شعرت بإرهاق شديد وإسهال حاد، ثم بدأت فقاعات مائية تظهر على جسدي ، حيث انتشرت خلال أيام قليلة في أنحاء جسمي ووصلت إلى عينيّ وأذنيّ، وكانت الحكة شديدة لدرجة أنني لم أعد أحتملها، بينما زادت حرارة الخيمة من التهاب الجلد حتى تورم وجهي بالكامل .
وتضيف أم تالا أن رحلتها مع المرض بدأت بتشخيص غير دقيق، قد أخبرها الطبيب أن ما تعانيه قد يكون حساسية جلدية أو نتيجة لظروف النظافة، قبل أن تتفاقم حالتها ويُشخَّص المرض لاحقًا على أنه جدري الماء ،لكن معاناة الأم لم تتوقف عند هذا الحد ، فبعد أيام قليلة ظهرت أعراض المرض على رضيعتها تالا، ثم بدأت علامات العدوى تظهر أيضًا على شقيقتها، في ظل استحالة عزل أفراد الأسرة داخل خيمة صغيرة تضم الجميع.
خيمة واحدة... وعدوى تنتشر
تعيش الأسرة في إحدى خيام النزوح بمدينة خان يونس، حيث لا تتوفر مياه كافية للنظافة الشخصية، ولا وسائل للتبريد تخفف حرارة الصيف، فيما تجعل المساحة الضيقة من عزل المصابين أمرًا شبه مستحيل، الأمر الذي يزيد من احتمالية انتقال العدوى إلى بقية أفراد الأسرة وإلى العائلات المجاورة.
وتقول العائلة إن أكثر ما يثير قلقها هو صغر سن تالا، فهي لم تكمل شهرها الأول بعد، وتحتاج إلى رعاية صحية خاصة يصعب توفيرها في ظل ظروف النزوح ونقص الإمكانات الطبية.
أطباء: يحذرون....
من جانبه، أكد الدكتور رائد أبو سرية أخصائي الأمراض الجلدية في جمعية الهلال الأحمر، عن تسجيل ارتفاع ملحوظ في حالات الإصابة بجدري الماء خلال الأشهر الأخيرة، موضحًا أن التدهور الإنساني داخل مخيمات النزوح أسهم بشكل مباشر في زيادة انتشار المرض.
وقال أبو سرية إن الاكتظاظ، وسوء النظافة، وصعوبة عزل المصابين، كلها عوامل تسرّع انتقال العدوى بين الأطفال والعائلات، خاصة في مراكز الإيواء المكتظة.
وأشار أبو سرية إلى أن هذه المؤشرات تتوافق مع ما أعلنته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)والتي رصدت نحو 9300 حالة مشتبه بإصابتها بجدري الماء في مختلف أنحاء قطاع غزة، فيما تُعد محافظة خان يونس من أكثر المناطق اكتظاظًا بالنازحين، ما يجعلها بيئة أكثر عرضة لانتشار الأمراض المعدية.
حديثو الولادة الأكثر عرضة للمضاعفات
بدوره، أوضح الدكتور عامر المصري استشاري الأمراض الجلدية في مستشفى ناصر، أن إصابة الأطفال حديثي الولادة بجدري الماء تستدعي متابعة طبية دقيقة، خاصة إذا انتقلت العدوى من الأم أو ظهرت خلال الأسابيع الأولى من عمر الطفل.
وأضاف المصري أن الجهاز المناعي للمواليد لا يزال غير مكتمل، الأمر الذي يجعلهم أكثر عرضة للمضاعفات مقارنة بالأطفال الأكبر سنًا، مؤكدًا على أهمية توفير بيئة صحية، وتقليل الاكتظاظ، وضمان وصول الرضع إلى الرعاية الطبية في أسرع وقت.
معاناة تتجاوز المرض
ولا تقتصر معاناة أسرة تالا على المرض وحده، بل تمتد إلى غياب أبسط مقومات التعافي. فلا تتوفر مياه كافية للحفاظ على النظافة الشخصية، ولا وسائل لتبريد الخيمة التي تزيد حرارتها من آلام المصابين، كما أن ضيق المكان يحول دون عزل المرضى، ويضاعف مخاوف انتقال العدوى إلى أطفال آخرين.
وتناشد الأسرة الجهات الصحية والمؤسسات الإنسانية والمنظمات الدولية التدخل العاجل لتوفير الرعاية الطبية اللازمة للطفلة، وتأمين بيئة صحية أكثر أمانًا، وتوفير المستلزمات الأساسية التي تحد من انتشار المرض داخل مخيمات النزوح.
وتبقى قصة الرضيعة تالا أبو غالي واحدة من عشرات القصص التي تعكس واقع الأطفال النازحين في قطاع غزة، حيث لم تعد الأمراض المعدية مجرد حالات فردية، بل أصبحت خطرًا يوميًا يهدد طفولة الآلاف، في ظل استمرار النزوح، وتردي الأوضاع الصحية، وغياب الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.


