خاص اليوم الإخباري
تستعد مئات الآلاف من الطلبة في قطاع غزة للعودة إلى التعليم الوجاهي، لكن هذه المرة من داخل خيام ومراكز تعليم مؤقتة، في ظل الدمار الواسع الذي طال المدارس والبنية التحتية التعليمية خلال سنوات الحرب.
ومع غياب المدارس التقليدية، تتحول الخيام إلى صفوف دراسية بديلة، في محاولة للحفاظ على العملية التعليمية وتقليص الفاقد التعليمي الذي أصاب جيلاً كاملاً بعد سنوات من الانقطاع.
462 ألف طالب يستعدون للعودة إلى التعليم الوجاهي
وقال الدكتور عائد الربعي، مدير عام الإدارات المدرسية، لـ"اليوم الإخباري"، إن العام الدراسي الجديد سينطلق يوم الأحد الموافق 6 سبتمبر 2027، وفق خطط تهدف إلى استمرار العملية التعليمية وتحسين مخرجاتها، مع اعتماد التعليم الوجاهي إلى جانب منصة إلكترونية للطلبة الذين يتعذر وصولهم إلى مراكز التعليم.
وأوضح الربعي أن 477 منشأة تعليمية جرى تجهيزها لاستقبال نحو 462 ألف طالب وطالبة حضورياً، رغم شح الإمكانيات والاعتماد على الخيام كبديل عن المباني المدرسية.
وبيّن أن نحو 337 ألف طالب سيلتحقون بـ207 مدارس ومنشآت حكومية، فيما تستقبل 215 مدرسة خاصة نحو 60 ألف طالب وطالبة، إلى جانب تشغيل 57 مركزاً تعليمياً مؤقتاً تستوعب نحو 65 ألف طالب وطالبة.
وأشار إلى أن الجهود مستمرة لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلبة حضورياً، بالتوازي مع التعليم الإلكتروني ومراكز "الأونروا" للطلبة الذين لا تشملهم العملية الوجاهية.
وأكد الربعي أن التحدي الأكبر يتمثل في معالجة الفاقد التعليمي الذي أصاب الطلبة خلال سنوات الحرب، خصوصاً في القراءة والكتابة والإملاء والرياضيات واللغة الإنجليزية، موضحاً أن التركيز على اللغة العربية والرياضيات واللغة الإنجليزية يأتي ضمن خطة إسعافية لرأب الفجوة واستعادة المهارات الأساسية.
وأضاف أن "تعليم الخيام" يمثل حلاً اضطرارياً لاستمرار العملية التعليمية، رغم نقص الخيام والقرطاسية والمستلزمات اللوجستية والظروف الأمنية الصعبة، مؤكداً أن الطواقم التعليمية تواصل عملها بالإصرار والعزيمة.
كما لفت إلى الإقبال الكبير على المدارس الحكومية بسبب مجانيتها، في ظل صعوبة تحمل كثير من الأسر تكاليف التعليم الخاص.
المعلمون.. مهمة تتجاوز حدود الصف
وفي مواجهة هذا الواقع، لا تقتصر مهمة المعلم على شرح المنهاج، بل تمتد إلى محاولة إعادة بناء علاقة الطالب بالمدرسة والكتاب والقلم بعد سنوات من النزوح والانقطاع.
وقال الأستاذ محمد معين الخضري، مدير مدرسة وروضة غزة الأمل التعليمية، لـ"اليوم الإخباري"، إن العودة إلى التعليم الوجاهي تمثل خطوة ضرورية لاستعادة التواصل المباشر بين المعلم والطالب بعد سنوات من التعليم في ظروف استثنائية.
وأوضح أن المعلمين يواجهون تحديات تبدأ من تجهيز مكان مناسب للدرس، ولا تنتهي بمحاولة تعويض ما فقده الطلبة من مهارات تعليمية، مشيراً إلى أن الخيمة، رغم محدودية إمكانياتها، أصبحت مساحة لإعادة بناء الأساس التعليمي للطفل.
وأضاف أن المعلمين يبذلون جهوداً للحفاظ على انتظام الطلبة وتشجيعهم على العودة إلى التعلم، خصوصاً أن الانقطاع الطويل والتنقل المستمر أثرا في كثير من مهاراتهم الأساسية.
وأكد الخضري أن التعليم في غزة لم يعد مجرد تلقين للمناهج، بل أصبح وسيلة للحفاظ على مستقبل الطفل، مشيراً إلى أن "القلم والدفتر في يد الطالب اليوم يمثلان بداية لاستعادة الحياة الطبيعية، حتى وإن كانت الصفوف محاطة بالخيام والركام".
صرخة طفل تحت لهيب الخيام
وقال الطفل كريم خالد، البالغ من العمر 11 عاماً، خلال مقابلة مع "اليوم الإخباري": "أنا نفسي أرجع لمدرستي القديمة وصفي الحقيقي، لأنو في الخيمة الشوب بيموّت والشمس بتحرقنا حرق. الخيمة بتتحول لفرن في الظهر. التركيز هون صعب كتير، الأصوات برا عالية والكل بيحكي، ومجرد ما الأستاذ يبدأ يشرح بكون تعبان ومش قادر أستوعب شي".
وأضاف كريم: "إحنا هلا بنتعلم بس عربي وحساب وإنجليزي، ونفسي أدرس علوم وجغرافيا زي زمان. الحرب دمرت كل شي حلو، ودمرت مستقبلي. كان نفسي أصير مهندس، بس هلا خايف أنسى حتى القراءة والكتابة".
قلم رصاص يقاوم ركام الدمار
ينطلق العام الدراسي الوجاهي في غزة بإمكانيات محدودة، لكن بإصرار الطواقم التعليمية والطلبة على استمرار التعلم.
وبين الخيام والركام، يحاول المعلمون ترميم ما أفسدته سنوات الحرب، فيما يتمسك الطلبة بالدفتر والقلم لاستعادة ما فقدوه من مهارات، والحفاظ على حق جيل كامل في التعليم.