خاص اليوم الإخباري:
لا يكاد يمر يوم في قطاع غزة من دون قصف أو استهداف أو اغتيال، في مشهد يعيد إلى الواجهة مخاوف من استمرار التصعيد واتساع نطاق المواجهة، بينما يعيش المواطنون تحت وطأة واقع أمني وإنساني لا يبدو أن نهايته قريبة.
فالغارات والقصف المدفعي واستهداف المركبات والأفراد، إلى جانب عمليات الإخلاء وتشديد القيود على الحركة ودخول الاحتياجات الأساسية، أصبحت تفاصيل متكررة في حياة سكان القطاع، فيما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية على أكثر من محور.
وبالتزامن مع ذلك، تبرز في إسرائيل حسابات سياسية وأمنية مرتبطة بطريقة إدارة التصعيد، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات، وسط نقاش حول ما إذا كانت سياسة الاغتيالات واستعراض القوة قادرة فعلًا على تحقيق مكاسب سياسية، أم أنها قد تقود إلى نتائج عكسية وتصعيد يصعب احتواؤه.
تصعيد قد يتحول إلى مقامرة
وخلال حديثه لـ”اليوم الإخباري”، أوضح المحلل السياسي د. سمير أبو مدللة أن هناك بُعدًا انتخابيًا وحزبيًا واضحًا في التصعيد الإسرائيلي، معتبرًا أن توسيع القصف والاغتيالات على عدة جبهات قد يخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سياسيًا.
وأشار أبو مدللة إلى أن إبقاء المجتمع الإسرائيلي في حالة تعبئة أمنية يمكن أن يساعد نتنياهو في تعزيز حضوره السياسي وتوحيد اليمين، إلا أن هذه الحسابات، بحسب تقديره، قد تتحول إلى مقامرة تتجاوز قدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي على التحكم بمسارها.
وحذر من أن تعدد الجبهات قد يقود إلى ردود متبادلة، وصولًا إلى مواجهة إقليمية أوسع، مؤكدًا أن استمرار التصعيد قد يفتح مسارات لا يستطيع أي طرف ضمان نتائجها أو التحكم الكامل بها.
أعيش القصف والاغتيالات بشكل شبه يومي
ويصف المواطن محمود عمر ما يعيشه من قصف واغتيالات وخوف مستمر، قائلًا لـ”اليوم الإخباري”: “أنا أعيش القصف والاغتيالات بشكل شبه يومي، وأرى آثارها على الناس من حولي. لا أشعر أن هناك أمانًا حقيقيًا، وكل يوم يحمل معه خوفًا جديدًا”.
وأضاف: “الاغتيالات مستمرة، وهناك إخلاءات لمربعات سكنية، إلى جانب القصف المدفعي والطائرات المسيّرة. حتى تفاصيل حياتي اليومية أصبحت صعبة، من الحصول على المواد الأساسية إلى الحركة والتنقل”.
وتابع: “أنا كمواطن، كل ما أريده هو أن تتوقف الحرب والقتل، وأن أستطيع أن أعيش بأمان مع عائلتي. الحديث عن فتح جبهات جديدة أو استمرار التصعيد يزيد خوفي، لأنني أعرف جيدًا معنى الحرب وما تتركه خلفها”.
وأوضح عمر أن آثار الحرب لا تتوقف عند القصف، قائلًا: “أعاني مثل غيري من الخوف والنزوح والجوع ونقص الاحتياجات الأساسية، ولذلك فإن استمرار القصف والاغتيالات يعني بالنسبة لي استمرار المعاناة نفسها”.
استعراض القوة.. هل يحقق أهدافه؟
وفي السياق ذاته، أكدت الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن سياسة الاغتيالات واستعراض القوة ليست جديدة في إسرائيل، موضحة أنها استخدمت مرارًا من قبل القادة الإسرائيليين، وخاصة قادة أحزاب اليمين، بهدف تقديم القائد أمام جمهوره باعتباره الرجل القادر على مواجهة الخصوم وردعهم وحماية المجتمع الإسرائيلي.
غير أن عودة ترى أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية، موضحة أن زيادة عمليات الاغتيال قد تؤدي في المقابل إلى ردود وانتقامات، ما يرفع مستوى التوتر ويجعل تحقيق الأمن أكثر صعوبة.
وأشارت عودة إلى أن الناخب الإسرائيلي لا ينظر إلى الملف الأمني وحده، بل يهتم أيضًا بمصالحه الاقتصادية وحاجته إلى الحماية، إلى جانب صورة إسرائيل الدولية، معتبرة أن استمرار الحروب قد يفاقم الخسائر الاقتصادية ويؤثر في ثقة الجمهور بالقيادة.
وبحسب عودة، فإن القادة والأحزاب القادرين على استعادة ثقة الشارع، والابتعاد عن أزمات الفساد، وتقديم وعود بعودة الأمان وإنهاء الحروب، سيكونون أكثر قدرة على المنافسة، في مقابل من يروّجون لاستمرار التصعيد.
وترى عودة أن سياسة الاغتيالات الميدانية التي ينتهجها نتنياهو ضد المقاومة الفلسطينية لن تكون وحدها كافية لرفع عدد الأصوات المؤيدة له أو استعادة ثقة الجمهور الإسرائيلي، خصوصًا في ظل استمرار الشكوك بشأن قدرته على توفير الحماية ومعالجة التداعيات الاقتصادية والأمنية.
المواطن يدفع ثمن التصعيد
وبينما تجري في إسرائيل الحسابات السياسية والأمنية، يبقى المواطن في قطاع غزة أمام واقع مختلف تمامًا؛ فبالنسبة له، لا تتوقف المسألة عند نتائج الانتخابات أو المكاسب السياسية، وإنما عند الخوف من القصف، وفقدان الأحبة، والنزوح، وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية.
وفي ظل استمرار العمليات الإسرائيلية، تتواصل حالات الاستشهاد والإصابة جراء القصف والاستهدافات في مناطق مختلفة من قطاع غزة، فيما تزداد تداعيات التصعيد على الحياة اليومية للسكان.
وهكذا، تبقى سياسة الاغتيالات والقصف أمام معادلة معقدة؛ فقد تمنح القيادة الإسرائيلية مكاسب سياسية وأمنية مؤقتة، لكنها في الوقت ذاته تحمل مخاطر توسع المواجهة وفتح جبهات جديدة، بينما يدفع المواطن في غزة ثمن هذا التصعيد يومًا بعد يوم.