خاص: من مأوى للنازحين إلى ركام.. ماذا حدث في عمارة السعادة بغزة؟

خاص: من مأوى للنازحين إلى ركام.. ماذا حدث في عمارة السعادة بغزة؟

2026/09/18 الساعة 12:11 ص
خاص: من مأوى للنازحين إلى ركام.. ماذا حدث في عمارة السعادة بغزة؟

خاص – اليوم الإخباري

في لحظة واحدة، تحوّلت عمارة “السعادة” في حي الرمال بمدينة غزة من مأوى احتمت به عائلات فقدت منازلها خلال الحرب، إلى ركام دفنت تحته عشرات السكان، في مشهد أعاد إلى الواجهة خطر المباني المتضررة التي لا تزال تؤوي عائلات نازحة رغم ما يحيط بها من مخاطر.

فجر الأربعاء، انهارت البناية المكوّنة من ستة طوابق فوق رؤوس ساكنيها، لتبدأ عمليات الإنقاذ والبحث عن العالقين تحت الركام، وسط استمرار وجود أكثر من 50 شهيدًا تحت الأنقاض، فيما تمكنت فرق الإنقاذ من انتشال جثامين 21 شهيدًا وإنقاذ 45 مواطنًا، بينهم 14 مصابًا، بينما تمكن آخرون من الخروج قبل وصول فرق الإنقاذ.

أصوات التصدعات سبقت الانهيار.. وناجون يروون اللحظات الأولى

وفي حوار خاص لـ”اليوم الإخباري”، تكشف شهادات الناجين أن خطر الانهيار لم يكن مفاجئًا بالكامل؛ إذ ظهرت على المبنى علامات التصدع والضرر، فيما عاش سكانه أيامًا من الخوف والترقب، لكن غياب البدائل الآمنة أجبرهم على البقاء داخله.

الناجي محمود السطري، الذي كان يقيم في الطابق الخامس، روى خلال حديث خاص لـ”اليوم الإخباري” أن العائلة كانت تسمع في الأيام السابقة أصوات تشقق الجدران وتساقط الحجارة من الشقق المجاورة، قبل أن يجد نفسه لحظة الانهيار بين الركام بعدما انهارت الطوابق السفلى فوق بعضها.

وأضاف السطري أن أفراد عائلته تمكنوا من الخروج عبر فراغات بقيت بين الكتل الإسمنتية، فيما أصيب ثلاثة من أبناء شقيقه، ونُقلت إحدى بناته إلى العناية المركزة.

وأوضح أن عائلته كانت قد فقدت منزلها في حي التفاح خلال الحرب، قبل أن تنزح جنوبًا، ثم تعود إلى مدينة غزة قبل نحو عشرة أشهر، من دون قدرة على استئجار منزل أو توفير خيمة، لتجد في المبنى المتضرر مأوى مؤقتًا رغم إدراكها لحجم الخطر.

ولم تكن عائلة السطري الوحيدة التي دفعتها ظروف النزوح إلى الاحتماء بالمبنى؛ إذ لجأت إليه عائلات أخرى بحثًا عن سقف يؤويها، رغم الأضرار التي لحقت به.

وفي شهادة أخرى، تحدثت حياة العجلة عن لحظات الرعب التي عاشتها أسرتها تحت الأنقاض عقب الانهيار، مشيرة إلى فقدان تسعة من أفراد عائلتها، بينهم والداها وأربعة من أشقائها وثلاثة من أبناء إخوتها، فيما نُقلت ابنتها إلى المستشفى إثر إصابتها بجروح خطيرة في الرأس.

أما الناجي نادر العجلة، فأوضح خلال لقائه مراسل “اليوم الإخباري” أن عائلته لجأت إلى المبنى بعدما عجزت عن العثور على مكان آخر، محذرًا من أن استمرار غياب المأوى الآمن قد يجعل مثل هذه الكارثة قابلة للتكرار في مبانٍ أخرى لا تزال قائمة رغم تعرضها للدمار والتصدعات.

أكثر من 15 ساعة تحت الركام.. ومعدات الإنقاذ لا تكفي

ومع بدء عمليات البحث، واجهت فرق الدفاع المدني مهمة بالغة الصعوبة للوصول إلى العالقين، في ظل محدودية المعدات وآليات رفع الركام، بينما شارك سكان المنطقة في عمليات البحث باستخدام وسائل بدائية وأيديهم، على أمل العثور على ناجين.

وفي تصريح خاص لـ”اليوم الإخباري”، أكد المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل أن الطواقم تفتقر إلى المعدات اللازمة للتعامل مع حجم الركام، رغم تمكنها من إنقاذ 45 شخصًا من تحت الأنقاض ونقلهم إلى المستشفيات.

وبينما استمرت عمليات البحث، أفاد شهود من موقع الانهيار بسماع أصوات من تحت الركام، في وقت جعلت فيه الكتل الإسمنتية المتداخلة الوصول إلى العالقين مهمة شديدة التعقيد.

وفي ظل استمرار عمليات البحث، لا تزال أكثر من 50 جثة تحت الأنقاض، وفق المعطيات المتوفرة، وسط صعوبات كبيرة تواجه فرق الإنقاذ في الوصول إلى المناطق التي انهارت فيها الكتل الإسمنتية فوق بعضها.

عمارة السعادة ليست وحدها.. خطر يهدد مباني أخرى

ولا تتوقف تداعيات الكارثة عند حدود عمارة “السعادة”، إذ تشير تقديرات للدفاع المدني إلى وجود نحو ألفي مبنى مأهول في قطاع غزة مهدد بالانهيار، في ظل استمرار اضطرار عائلات نازحة إلى السكن في مبانٍ متضررة بسبب غياب البدائل الآمنة.

وبالنسبة للعائلات التي فقدت منازلها خلال الحرب، لا تبدو الخيارات متاحة بسهولة؛ فالمبنى المتضرر قد يمثل سقفًا يحميها من ظروف النزوح، لكنه في الوقت نفسه قد يحمل خطرًا لا تستطيع تجاهله.

ومع خروج الناجين من عمارة “السعادة”، بدأت مأساة أخرى، إذ فقدت عائلاتهم ما تبقى من ممتلكاتهم، فيما وجدت نفسها مجددًا أمام الحاجة إلى البحث عن مكان آمن للإقامة.

ويفتح انهيار العمارة الباب أمام تساؤلات أوسع حول مصير المباني المتضررة التي لا تزال مأهولة في قطاع غزة، وحول قدرة فرق الإنقاذ على التعامل مع انهيارات مماثلة في ظل محدودية الإمكانات.

وبين الركام الذي خلّفه انهيار عمارة “السعادة”، تتجسد أزمة أوسع تعيشها عائلات فقدت منازلها ولم تجد أمامها سوى مبانٍ متضررة تحاول الاحتماء داخلها، لتبقى الحاجة إلى مأوى آمن واحدة من أكثر التحديات إلحاحًا بالنسبة للنازحين في غزة.