خاص اليوم الإخباري
تستعد وزارة التربية والتعليم العالي في غزة لبدء العام الدراسي 2026/2027، في ظل تحديات استثنائية فرضتها الحرب، مع خروج نحو 97% من المباني التعليمية عن الخدمة، وارتفاع أعداد الطلبة المتوقع التحاقهم بالتعليم إلى نحو 350 ألفًا، مقارنة بنحو 270 ألفًا العام الماضي، فيما تعتمد الوزارة على بدائل تعليمية مؤقتة إلى جانب المدارس القابلة للاستخدام والمنصات الرقمية.
ومن المقرر أن يبدأ العام الدراسي إداريًا في 16 سبتمبر/أيلول 2026، فيما يبدأ الطلبة دوامهم في 19 سبتمبر/أيلول، وسط خطة تسعى إلى إعادة التعليم أولًا، بالتوازي مع معالجة الفاقد التعليمي وإعادة بناء البنية التعليمية تدريجيًا.
التعليم حق والإيواء واجب
وخلال تصريح خاص لـ"اليوم الإخباري"، قال مدير عام العلاقات العامة والإعلام في وزارة التربية والتعليم العالي بغزة أحمد النجار إن الوزارة تنسق مع المؤسسات والجهات المختلفة ولجان الأحياء والوجهاء والعشائر، لتهيئة الرأي العام لعودة المدارس إلى دورها الأساسي في خدمة الطلبة.
وأوضح النجار أن الحملة تنطلق من مبدأ "التعليم حق والإيواء واجب"، مؤكدًا أن الهدف ليس إخراج النازحين من المدارس بالقوة، وإنما العمل على نقلهم إلى أماكن إيواء مناسبة بعد توفير البدائل، وبالتفاهم والإقناع، بما يتيح للطلبة التعلم في بيئة أكثر ملاءمة، ويعيد للمدارس وظيفتها التعليمية.
وأشار إلى أن العودة إلى التعليم لا تعني بالضرورة العودة الفورية إلى المباني المدرسية التقليدية، في ظل الدمار واستخدام عدد من المدارس كمراكز للإيواء، موضحًا أن توجه الوزارة يقوم على العودة إلى التعليم أولًا، ثم استعادة البنية المدرسية تدريجيًا كلما سمحت الظروف.
320 نقطة تعليمية بدلًا من 270
وفي إطار هذه الخطة، بيّن النجار أن الوزارة تتوقع الوصول إلى نحو 320 مدرسة ونقطة تعليمية خلال العام الحالي، مقارنة بنحو 270 العام الماضي، عبر الاستفادة من الأبنية الصالحة، والمراكز التعليمية المؤقتة، ونقاط التعليم والخيام، إلى جانب المنصات والتقنيات الرقمية حيثما توفرت الإمكانات.
ولفت إلى أن الوزارة عملت خلال سنوات الحرب على استمرار التعليم رغم الظروف غير المسبوقة، بالتعاون مع شركائها، وفي مقدمتهم اليونيسف، التي ساهمت في تدريب المعلمين ومديري المدارس وتهيئة الكوادر والبيئات التعليمية، بهدف توفير بدائل وعدم انتظار إعادة إعمار المدارس للبدء بالتعليم.
مرونة في المناهج.. والتوجيهي بالنظام السابق
وعلى صعيد المناهج، أكد النجار أن الوزارة لا تتجه إلى اختصار عشوائي للمحتوى التعليمي، وإنما إلى إعادة تنظيم الأولويات بما يتناسب مع الظروف الاستثنائية وحجم الفاقد التعليمي.
وأوضح أن النظام التعليمي سيكون مرنًا، وفق نظام سداسي ضمن دورتين، ثلاث فترات في كل دورة، مع التركيز في التعليم الوجاهي على المواد الأساسية، وهي اللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم العامة، فيما تُقدّم مواد إثرائية، مثل التربية الإسلامية والدراسات الاجتماعية، بصورة أوسع عبر المنصات الرقمية، إلى جانب التكنولوجيا والثقافة العلمية حيثما أمكن.
أما طلبة الثانوية العامة، فأكد النجار أن نظام التوجيهي سيكون وفق النظام السابق للحرب وبجميع المواد.
الفاقد التعليمي.. التحدي الأكبر
ولا تقتصر مهمة الوزارة على توفير أماكن للتعليم، إذ أوضح النجار أن الفاقد التعليمي المتراكم خلال سنوات الحرب يمثل أحد أكبر التحديات، لافتًا إلى أنه لا يعني فقط فقدان حصص ودروس، بل يشمل أيضًا فقدان مهارات أساسية لدى الطلبة.
وبناءً على ذلك، تعمل الوزارة على تشخيص مستويات الطلبة وتحديد احتياجاتهم، تمهيدًا لتنفيذ برامج تساعدهم على استعادة المهارات تدريجيًا، وفي مقدمتها برنامج التعليم الاستدراكي المسرّع (ALP)، الذي يستهدف بصورة أساسية طلبة الصفوف من الثاني حتى التاسع.
وأشار النجار إلى أن الوزارة، بالتعاون مع اليونيسف، درّبت المعلمين ومديري المدارس على تنفيذ البرنامج وتقييم مستويات الطلبة، موضحًا أن الهدف ليس حشر كميات كبيرة من المناهج في وقت قصير، وإنما استعادة المعارف والمهارات الأساسية وإعادة الطلبة تدريجيًا إلى المسار التعليمي الطبيعي.
17 ألف طالب شهيد و770 من العاملين بالتعليم
وبالتوازي مع الفاقد التعليمي، يواجه القطاع التعليمي خسائر بشرية ومادية واسعة، إذ أكد النجار أن الفاقد التعليمي لا يمكن فصله عن الفاقد الإنساني والنفسي الذي أصاب الأطفال والعاملين في التعليم.
وبحسب أرقام الوزارة، فقد استشهد نحو 17 ألف طالب وطالبة، فيما قُتل نحو 770 من العاملين في قطاع التعليم، بينهم معلمون وإداريون وغيرهم، بينما خرج نحو 97% من المباني التعليمية عن الخدمة نتيجة الدمار والأضرار أو استخدامها للإيواء والنزوح.
الخيام حل طارئ والاحتياجات تتسع
وفي ظل هذا الواقع، أشار النجار إلى أن الخيام تمثل حلًا طارئًا لا بديلًا دائمًا عن المدارس، خصوصًا أن الخيام المتهالكة لا توفر البيئة التعليمية والصحية المناسبة، وتتأثر بالحرارة المرتفعة صيفًا والبرد شتاءً، فضلًا عن محدودية الحماية والخصوصية.
وشدد على الحاجة إلى استبدال الخيام المتهالكة بخيام أفضل أو توفير مساحات تعليمية أكثر ملاءمة، بالتزامن مع التوسع في المراكز التعليمية المؤقتة، إلى حين إعادة تأهيل المدارس وبناء ما دمر منها.
كما تشمل الاحتياجات التعليمية الأساسية المقاعد والطاولات والسبورات والطباشير والقرطاسية والدفاتر والحقائب والكتب والمواد التعليمية، إلى جانب إعادة تجهيز المختبرات العلمية ومختبرات الحاسوب والمكتبات والقاعات والمرافق التعليمية المختلفة.
ولفت النجار إلى أن الضرر لم يقتصر على المدارس، إذ تعرض مقر وزارة التربية والتعليم العالي للدمار الكامل، ما أدى إلى فقدان الأثاث والمعدات والأجهزة والمكاتب الإدارية ووسائل النقل والمركبات، الأمر الذي يستدعي أيضًا إعادة بناء القدرة المؤسسية للوزارة.
ثلاثة مسارات لإعادة بناء التعليم
وبناءً على هذه المعطيات، تقوم رؤية الوزارة على ثلاثة مسارات متوازية: استعادة التعليم وضمان وصول الطلبة إليه، ومعالجة الفاقد التعليمي واستعادة المهارات الأساسية، ثم إعادة بناء النظام التعليمي والبنية التحتية تدريجيًا، بما يشمل المدارس والمختبرات والمكتبات ومختبرات الحاسوب والتجهيزات والقدرة المؤسسية.
وأكد النجار أن استئناف التعليم في غزة لا يمثل مجرد محاولة لإنقاذ عام دراسي، بل يرتبط بالحفاظ على حق الأطفال في التعليم واستمرارية العملية التعليمية، إلى أن تنتقل غزة من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.