ارتفاع سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي، مساء أمس من 18 ليرة، إلى 11.3 ليرة للدولار الواحد، ما أثار تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء ذلك، وما إذا كانت أنقرة تسير في خطة مدروسة ستؤدي إلى مزيد من المعافاة الاقتصادية.
يأتي هذا التحسن عقب تصريحات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، دعا فيها شعبه إلى "الاحتفاظ بمدخراتهم بالليرة التركية، دون أن يقلقوا من الخسارة"، مؤكداً أن الجمهورية التركية تمتلك أدوات عديدة للحفاظ على اقتصاد البلاد.
وأشار أردوغان أن هناك ما يعادل 280 مليار دولار، وأكثر من خمسة آلاف طن من الذهب الخام "تحت الوسادة" وفق تعبيره، مشيراً إلى أن لدى الشعب التركي مدخرات في المنازل، سيحسن ضخها في النظام المصرفي من وضع الليرة التركية "في أي وقت".
ويقول استشاري الاقتصاد التركي، علاء السيد، أن "الأرقام التي تحدث بها أردوغان ضخمة"، متوقعاً أن هناك عملًا يجري حاليًا على نظام مصرفي معين؛ لأجل استيعاب الذهب الذي يدخره الشعب التركي بالمنازل في النظام المصرفي".
وأضاف إن "انتقال الذهب من المنازل إلى الجهاز المصرفي، سيكون احتياطيًا كبيرًا، يدعم بقوة الليرة التركية والنظام الاقتصادي للبلاد".
ربط العملات بالذهب
وأكد السيّد أن "تركيا تُلمح إلى أن هناك عودة إلى ربط العملات النقدية بالذهب، بحيث تكون قوة الورقة النقدية مرتبطة بغطاء حقيقي، كما كان ذلك سابقًا"، مرجعاً التحسن الحاصل في سعر الليرة بنسبة تقارب 33 بالمئة من قيمتها خلال أقل من ساعتين؛ إلى هذا السبب.
وأفاد أن "المعدل السريع في تذبذب الليرة مقابل الدولار يضر بالاقتصاد التركي، لكنه لن يستمر طويلاً"، مشيراً إلى أن التحليلات تتحدث عن استقرار الليرة التركية بمعدل 15 - 16 ليرة تركية مقابل الدولار الواحد، بين الربعين الأول والأخير من عام 2022، "وهو ما ينم عن تقديرات باستقرار على مستويات معينة" وفق قوله.
وأشار السيد أن "ما يميز النظام التركي هو وجود إحصائيات دقيقة إلى حد كبير، حول كل شيء في البلاد، وهو ما يشير إلى أن للحكومة خطوات مدروسة تسير عليها باتجاه تحسين الاقتصاد"، لافتاً إلى رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 50 في المائة، وإصرار الحكومة على خفض نسبة سعر الفائدة إلى حوالي 6 بالمئة.
وكشف أن "انخفاض سعر الليرة التركية مقابل الدولار الأمريكي يصب في صالح قطاعات السياحة والتجارة والصناعة"، مستدركاً بأن "الاستمرار في هذا الانخفاض من الممكن أن يسبب أضراراً، لذلك تم إيقاف هذا الانخفاض عبر التصريحات القوية للرئيس التركي".
حرب شديدة وانتعاش ما بعد "كورونا"
وقال الخبير الاقتصادي أن "الاقتصاد التركي واجه حربًا شديدة، خاصة في المضاربة على الليرة التركية، كونها عملة دولية مسجلة في بورصات العالم"، مضيفاً أن "هناك بنوكاً سويسرية تعمل لصالح جهات خارجية، تهدف لإسقاط الاقتصاد التركي عبر هذه المضاربة".
وأضاف إن عودة اقتصاد تركيا للانتعاش سريعًا بعد كورونا "تسبب بنقمة بعض الجهات الخارجية عليها"، لافتاً إلى أن هذا الانتعاش "يعود لالتزام الشعب بتعليمات قيادته حول أخذ المطاعيم، مما ألغى وجود الإغلاقات والحظر".
وأردف السيد: "من جهة أخرى؛ فإن تركيا لديها مشاريع مستقبلية، مثل مشروع قناة إسطنبول الذي سيكون بجانب مضيق البسفور، وكل هذه المشاريع تعود بالنفع على الاقتصاد التركي، وليست من مصلحة الجهات الخارجية، مما يدفعها إلى إعاقة انتعاش الاقتصاد التركي".
ردات فعل لحظية
وأفاد الباحث الاقتصادي محمد أبو عليان إن "الإجراءات الأخيرة محاولة لإعادة الثقة لليرة التركية، ووقف التحول نحو (الدَّوْلَرة) بعد أن بلغ معدلها حوالي 64 في المائة، نتيجة تدهور سعر الصرف، وهي أشبه برفع ضمني للفائدة على ودائع الليرة".
وأردف أن "تركيا تتعامل مع الأزمة حسب ما هو متاح، في ظل ظروف عالمية معاكسة لتوجه البنك المركزي التركي، حيث إن البنوك المركزية (خصوصًا الاحتياطي الفيدرالي) تتجه لتشديد السياسة النقدية، بينما التركي يتجه لتيسير السياسة النقدية، بهدف تحفيز النمو الاقتصادي".
وشرح أبو عليان ما يحدث بالاقتصاد التركي، بأنه "عبارة عن ردات أفعال لحظية، وقصيرة الأجل، تسعى لتجاوز الأزمة، ولا بد من أن يستقر سعر الصرف بشكل دائم، وعند حدوث ذلك ستكون تركيا قد تجاوزت الأزمة".
يشار إلى أن الليرة التركية شهدت انخفاضاً لأدنى مستوياتها مقابل الدولار الأمريكي خلال ديسمبر/كانون الأول الجاري، إثر اعتزام الحكومة التركية خفض نسبة سعر الفائدة، الذي كان يضع تركيا على سلم أعلى نسب الفائدة في العالم، مما كان يمنعها من التحرر من التبعية الاقتصادية، وفق مراقبين.